لم يعد التوتر عبر الأطلسي مجرد سجالٍ دبلوماسي أو اختلافٍ على نسب الرسوم. البرلمان الأوروبي قرر تجميد مسار التصويت على اتفاق التجارة مع الولايات المتحدة، في خطوة تُقرأ كرسالة سياسية فظة: لا اتفاقات “كالمعتاد” بينما تُلوّح واشنطن بعقوبات جمركية وتتعامل مع جرينلاند كغنيمة قابلة للشراء. قرار التجميد جاء على خلفية تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم على دول أوروبية ترفض “الصفقة” التي يريدها بشأن جرينلاند، ما اعتبره مشرّعون أوروبيون خروجًا مباشرًا على منطق التفاوض وتحويل التجارة إلى أداة ابتزاز.
وفي دافوس، صعد التحذير من مستوى الخبر إلى مستوى التشخيص: رئيس الوزراء الكندي مارك كارني قال إن النظام القائم على القواعد يتآكل، وإننا نُدفَع نحو عالم “الأقوياء يفعلون ما بوسعهم، والضعفاء يعانون ما يُفرض عليهم” — في استدعاء صريح لثيوسيديدس، وكأنه يصف لحظة دولية يُعاد فيها تعريف السيادة بالتهديد لا بالاتفاق.
تجميد البرلمان الأوروبي.. نهاية وهم “الاتفاق تحت التهديد”
بحسب رويترز، البرلمان الأوروبي علّق عمله على تنفيذ/تمرير اتفاق تجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كان مطروحًا منذ صيف 2025، بعد أن ربط ترامب تخفيف الرسوم بحصوله على “صفقة” تتعلق بجرينلاند، ملوّحًا برسوم تبدأ 10% على دول أوروبية محددة اعتبارًا من 1 فبراير، وترتفع لاحقًا.
هذه ليست مجرد مناورة تشريعية. رئيس لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي بيرند لانغه أعلن أن التصويت على موقف اللجنة — الذي كان مقررًا أواخر يناير — تم تأجيله، وأن الاتفاق “على hold حتى إشعار آخر” لأن التهديدات الجمركية كسرت أساس التفاهم السابق.
الأهم في القصة أن حتى من كانوا يرون الاتفاق “غير متوازن” لكن قابلًا للبلع سياسيًا، باتوا يعتبرون تمريره تحت ضغط التهديد إهانةً مؤسسية. رويترز أشارت إلى أن نوابًا كُثر انتقدوا أصلًا اختلال ميزان الاتفاق (خفض واسع للرسوم الأوروبية مقابل بقاء معدل أميركي أعلى)، لكنهم كانوا مستعدين للقبول بشروط حماية مثل “sunset clause” وآليات ردّ على موجات واردات. ثم جاءت لحظة ترامب: الرسوم أولًا… ثم التفاوض. هنا، توقف المنطق الأوروبي عن التبرير.
جرينلاند والتعريفات.. عندما تتحول التجارة إلى سلاح سيادي
قضية جرينلاند نفسها ليست تفصيلًا جغرافيًا؛ إنها اختبار لنوع العالم الذي يتشكل. تقرير الجزيرة يوضح أن ترامب ربط الرسوم بمطلب “الشراء الكامل” لجرينلاند، وذكر أن الرسوم ستظل قائمة حتى يتم التوصل إلى “اتفاق” يحقق ذلك — وهو خطاب يمزج السيادة بالعقاب الاقتصادي، ويجعل أوروبا تشعر أنها على قائمة “المستهدفين” لا “الشركاء”.
في المقابل، بدأ الاتحاد الأوروبي يتحدث علنًا عن أدوات ردع أقسى. الغارديان نقلت أن الخيارات قيد النقاش تشمل تعريفات انتقامية واسعة، وحتى اللجوء إلى “أداة مكافحة الإكراه” (Anti-Coercion Instrument) التي صُممت أصلاً لمواجهة ضغط اقتصادي خارجي، ويمكن أن تصل إلى تقييد فرص الشركات في السوق الأوروبية.
لكن التصعيد لا يقف عند التشريعات. فحتى مع الحديث عن “إطار” تهدئة مؤقت في دافوس، كما أشارت تقارير دولية، فإن الأزمة تركت أثرًا سياسياً: أوروبا باتت ترى أن واشنطن تُدار بمنطق “الصفقة مقابل الطاعة”، لا بمنطق التحالف.
وهنا تظهر حدة اللحظة: إذا كانت التجارة تُستخدم لفرض تنازلات سيادية، فإن أي اتفاق يصبح “قابلاً للإلغاء” مع أول منشور تهديد على منصة سياسية، وأي شراكة تتحول إلى عقد إذعان قابل للمراجعة في كل موسم انتخابي.
كارني في دافوس.. تشخيصٌ قاسٍ لعصر الإكراه لا القواعد
في هذا المناخ، جاء خطاب مارك كارني في المنتدى الاقتصادي العالمي كأنه يضع عنوانًا لما يحدث: النظام القائم على القواعد يتراجع، و”الأقوياء يفعلون ما بوسعهم والضعفاء يعانون ما يُفرض عليهم” تُقدَّم كحقيقة “محتومة” يريد البعض التعايش معها بدل مقاومتها.
النبرة ليست فلسفية باردة؛ إنها تحذير سياسي: كثير من الدول “تذهب مع التيار لتتجنب المتاعب”، تراهن على أن الامتثال يشتري السلامة، لكن هذا الرهان ينتهي عادةً بتوسيع شهية القوة الأكبر للمزيد من الشروط.
وحين يُقرأ قرار البرلمان الأوروبي على ضوء هذا التشخيص، تبدو الخطوة أقل بيروقراطية وأكثر مصيرية: تجميد التصويت ليس فقط اعتراضًا على بندٍ تجاري، بل محاولة لكسر معادلة الإكراه قبل أن تصبح “قاعدة اللعبة”. رويترز حذّرت ضمن سياقها من أن هذه الخطوة قد تُغضب ترامب وتدفعه إلى رسوم أعلى، لكن أوروبا تبدو وكأنها تقول: استمرار الابتزاز سيجعل التنازل أسوأ من العقاب.
في النهاية، ما يحدث ليس خلافًا على بضائع، بل صراع على شكل النظام الدولي: هل تُدار السيادة بمنطق القواعد والتوازنات، أم بمنطق القوة والابتزاز الجمركي؟ تجميد البرلمان الأوروبي يعلن أن بروكسل لم تعد مستعدة لتوقيع اتفاقات تحت فوهة الرسوم، وخطاب كارني يفضح الثمن: عالمٌ تُكتب فيه المعاهدات بالقوة… ثم يُطلب من الجميع التصفيق لأنها “واقعية”.

