اندلع في الساعات الأولى من صباح الخميس حريق ضخم داخل عدد من منازل منطقة منشية الزرايب بحي منشأة ناصر غرب القاهرة، ليتحوّل خلال دقائق إلى كتلة لهب تلتهم أربعة منازل متلاصقة، وتحوّل سماء المنطقة إلى سحابة كثيفة من الدخان غطّت محيط جبل المقطم وأفزعت السكان.

 

ورغم عدم تسجيل إصابات أو وفيات حتى الآن، تبدو الحصيلة الحقيقية أخطر بكثير من مجرد “حريق تمّت السيطرة عليه”، لأنها تضاف إلى سلسلة حرائق متكررة تكشف هشاشة البنية العمرانية وغياب الحد الأدنى من الأمان داخل الأحياء الشعبية والعشوائية في العاصمة.

 

لهب يطوق منشية الزرايب.. نجاة بلا خسائر بشرية ولكن!

 

بحسب المعطيات الميدانية، بدأ الحريق داخل أحد المنازل في منشية الزرايب، قبل أن تمتد النيران سريعًا إلى ثلاثة منازل مجاورة، مستفيدة من طبيعة المباني المتلاصقة وغياب فواصل أمان حقيقية بين الكتل السكنية. اندفاع اللهب وتطاير الشرر جعلا السيطرة المبكرة شبه مستحيلة، فاضطرت قوات الحماية المدنية إلى الدفع بنحو 10 سيارات إطفاء، مع فرض طوق أمني واسع حول المنطقة.

 

تم فصل الغاز والكهرباء عن مربع الحريق كإجراء احترازي، في محاولة لمنع تحوله إلى كارثة تمتد إلى مزيد من المنازل، خاصة في الاتجاه المؤدي إلى منطقة السيدة عائشة ذات الكثافة السكانية العالية. ورغم أن التقارير الأولية أكدت عدم وجود إصابات أو وفيات، فإن مشاهد الهلع بين الأهالي، وهم يهرعون لإخراج الأطفال وكبار السن من المنازل وسط دخان خانق، تقول إن الحادث مرّ بسلام “محض صدفة” لا أكثر.

 

تواصل قوات الحماية المدنية حتى الآن عمليات التبريد، لمنع تجدد الاشتعال، بينما يُفتح تحقيق لمعرفة أسباب الحريق. لكن التجارب السابقة في مناطق مشابهة تشير غالبًا إلى مزيج قاتل: وصلات كهربائية بدائية، أحمال زائدة على الشبكة، وأسقف خشبية أو عشوائية تجعل أي شرارة صغيرة بداية لاشتعال كامل.

 

القاهرة تتصدر مشهد الحرائق.. أرقام رسمية تفضح عمق الأزمة

 

حادث منشية الزرايب لا يمكن عزله عن سياق أوسع؛ فالقاهرة باتت فعليًا “عاصمة الحرائق” وفق الأرقام الرسمية نفسها. فبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفع عدد حوادث الحريق في مصر إلى 46,925 حادثة عام 2024، مقابل 45,435 حادثة في 2023، بزيادة 3.2% في عام واحد فقط.

 

هذه الأرقام تعني أن البلاد شهدت، في المتوسط، أكثر من 129 حريقًا يوميًا على مدار العام، وفق ما نشرته تقارير صحفية استندت إلى نفس البيانات الرسمية. والأخطر أن هذه الحرائق أسفرت عن 232 حالة وفاة في 2024، وهو رقم يفضح كلفة بشرية ثقيلة، حتى مع انخفاض طفيف عن العام السابق.

 

وعلى مستوى المحافظات، تأتي القاهرة في صدارة المشهد بعدد 5,993 حادثة حريق في عام 2023 وحده، بما يمثل 13.2% من إجمالي حرائق مصر، تليها الجيزة بـ3,925 حادثة. أي أن واحدة تقريبًا من كل ثماني حرائق في البلاد تقع داخل نطاق العاصمة.

 

هذه ليست أرقامًا جامدة؛ فقبل أشهر فقط، شهد مبنى سنترال رمسيس بوسط القاهرة حريقًا كبيرًا أدى إلى فصل الغاز والكهرباء عن مبنى حيوي من عشرة طوابق، وتسبب في تضرر خدمات الاتصالات والإنترنت في مناطق واسعة، كما وثقت تقارير وكالة رويترز. وقبلها وبعدها، سجلت القاهرة والجيزة حرائق في مصانع، وأسواق شعبية، ومستودعات، ومبانٍ سكنية، في نمط متكرر لا يمكن اعتباره “مصادفات متباعدة”.

 

ورغم أن تقارير الإحصاء تشير إلى أن “الحرائق العارضة” تأتي في المرتبة الأولى بنسبة تتجاوز 20%، يليها الإهمال بأكثر من 10%، فإن قراءة هذه الأرقام في ضوء البنية العمرانية القائمة – مبانٍ قديمة، تمديدات كهرباء متهالكة، غياب اشتراطات السلامة – تجعل من هذا “العرض” نتيجة مباشرة لسياسات إهمال مزمنة، لا لقدر غامض.

 

دولة تحارب الحرائق بالتصريحات.. أين التخطيط والوقاية؟

 

على الورق، تتحدث وزارة الداخلية عن أن الإدارة العامة للحماية المدنية معنية بـ“تأمين أرواح المواطنين والممتلكات ضد أخطار الحريق، واتخاذ الإجراءات الوقائية، وتحديث المعدات وفق أحدث التقنيات”. لكن الواقع على الأرض، في أحياء مثل منشية ناصر ومنشية الزرايب وإمبابة وغيرها، يقول إن ما يصل للمواطنين من هذه “الاستراتيجية” لا يتجاوز صفارة سيارة الإطفاء التي تهرع بعد اشتعال النيران بالفعل.

 

حريق اليوم يفتح مجددًا ملفًا مؤجلًا عمدًا:

هل توجد خريطة معلنة لمناطق الخطر العالي في القاهرة الكبرى، وفق معدلات الحرائق ونوع المباني وكثافة السكان؟

هل تُنفَّذ حملات تفتيش حقيقية على شبكات الكهرباء في الأحياء الشعبية والعشوائيات؟

هل يلتزم المحليات باشتراطات مسافات الأمان بين العقارات، ومخارج الهروب، وتخزين أسطوانات الغاز؟

 

البيانات الرسمية نفسها تعترف بأن تقادم المباني وغياب معايير السلامة من الأسباب الرئيسة لارتفاع حوادث الحريق في مصر، بحسب تحليلات منشورة استندت إلى تقرير 2024. ومع ذلك، لا توجد خطة واضحة تعلنها الحكومة لتجديد الشبكات داخل الأحياء الفقيرة أو دعم الأسر لاستبدال التوصيلات البدائية بأخرى آمنة، بينما تُنفق مليارات الجنيهات على واجهات لامعة في عواصم جديدة ومناطق استثمارية مغلقة.

 

حريق منشية الزرايب مرّ دون خسائر بشرية، لكن السؤال الأخطر: ماذا لو تكرر السيناريو نفسه في ساعة ذروة، أو في مبنى مكتظ بالطوابق أو داخل مدرسة أو مستشفى حكومي؟ الأرقام تقول إن الحرائق في ازدياد، والقاهرة في الصدارة، والضحايا بالعشرات سنويًا، لكن الخطاب الرسمي لا يزال يفضل الحديث عن “السيطرة على الحريق” بدلًا من الاعتراف بأن منظومة الوقاية والسلامة لا تزال ثغرة مفتوحة تهدد أرواح الملايين.

 

في النهاية، ما جرى في منشية الزرايب ليس حادثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة من الحرائق التي تشعلها الأسلاك العارية ويغذيها الإهمال، وتُطفئها في كل مرة سيارات الإطفاء… بينما تظل جذور الأزمة مشتعلة تحت رماد مدينة مكتظة، يُترك سكانُها لمواجهة النيران وحدهم.