انطلاقًا من وثيقة تحليلية مطولة تصف ما يجري في مصر منذ 2013 بأنه «مشروع انتحار سياسي ممنهج»، ترى د. سالي صلاح أن النظام الحاكم لم يعد يواجه مجرد أزمة إدارة أو سوء تقدير، بل حالة سقوط كامل للشرعية الدستورية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية، صنعها بنفسه خطوة بعد أخرى.

 

الوثيقة، التي ترصد مسار السنوات الماضية من زاوية متداخلة تجمع بين الدستور والاقتصاد والمجتمع والسيادة، تعتبر يوم 27 يناير 2026 تاريخًا رمزيًا لانهيار شرعية النظام، ليس بقرار من المعارضة، ولكن بالأرقام والسياسات التي اتخذتها السلطة نفسها: من تعديل الدستور لخدمة الحاكم، وبيع الأصول، وترك التعليم والصحة ينهاران، إلى إغراق البلاد في الديون، وتحويل الجيش من حارس للوطن إلى حارس للكرسي، ثم أخيرًا بدء مشهد «الهروب المنظم» وتهيئة شماعات لتحمّل الكارثة بدلًا من مواجهة الحساب.

 

من العقد الاجتماعي إلى «الدولة فوق القانون»

 

تبدأ د. سالي صلاح قراءتها من الأساس السياسي: الشرعية. فوفق الوثيقة، ما جرى بعد 2013 لم يكن تصحيح مسار لدولة، بل تفكيك ممنهج للعقد الاجتماعي الذي يربط الحاكم بالمحكوم.

 

التعديلات الدستورية المتلاحقة (2014، 2019، 2023) حوّلت الدستور من قيد على السلطة إلى أداة في يدها؛ لم يعد الدستور ضمانة لـ«حرية، كرامة، عدالة اجتماعية»، بل غطاء قانوني لتكريس الاستبداد، في ما تسميه الوثيقة انتقالًا إلى مرحلة «الدولة فوق القانون».

 

تُشير الوثيقة إلى ثلاثة مسارات رئيسية لفكّ عرى الشرعية:

 

•  القضاء: عبر عسكرة بنيته وتحويل التعيين والترقي إلى مسار مرتبط بالمؤسسة العسكرية وشبكات المصالح، مع ما يكشفه تسريب دفعة 2022 من تغوّل «الأوليجارشية العائلية» داخل السلك القضائي. القضاء، الذي يفترض أن يكون حكمًا، صار «ناديًا مغلقًا» لأبناء القضاة والضباط والجنرالات.

•  البرلمان: جرى تجريده من دوره الرقابي والتشريعي ليصبح في الواقع مجرد «ماكينة تصديق» على قرارات السلطة التنفيذية، ما يعني عمليًا قطع آخر قناة مؤسسية للمساءلة.

•  القانون والدستور في قضايا السيادة: قضية تيران وصنافير نموذجًا؛ حكم نهائي من المحكمة الإدارية العليا ببطلان التنازل، ثم الالتفاف عليه عبر محكمة الأمور المستعجلة، ثم الدستورية العليا لنزع الاختصاص، مع تمرير الاتفاقية في برلمان محاصر ومعارضة مقموعة. هنا، تقول د. سالي، لم يعد الحديث عن «خطأ سياسي»، بل عن اختراق متعمد لمنظومة العدالة والسيادة معًا.

 

وفق هذا التحليل، عندما يستبدل النظام الأمن بالقمع، والعدالة بقضاء مسيس، والدستور بمسرحية شكلية، فهو يعلن عمليًا إسقاط العقد الاجتماعي. وعند هذه النقطة، كما تشدد الوثيقة، تسقط الشرعية تلقائيًا ويعود الحق للشعب مصدرًا وحيدًا للسلطات.

 

اقتصاد الديون والنهب.. دولة تعمل لسداد الفوائد لا لخدمة المواطنين

 

في المحور الاقتصادي، تقدّم الوثيقة ما تسميه «أرقام الانهيار المتعمَّد»، وترى د. سالي صلاح أن هذه الأرقام لا يمكن تفسيرها إلا كنتاج سياسة ممنهجة، لا مجرد تراكم أخطاء.

 

الناتج المحلي، بدلاً من أن ينمو، تراجع من 389 مليار دولار في 2024 إلى 349 مليار دولار في 2025، في ظل مشروعات ضخمة ممولة بالديون مثل العاصمة الإدارية التي تجاوزت كلفتها 80 مليار دولار، وُصفت في النص بأنها «بُنيت للمستعمر الأصلي وليس لمصر».

 

أخطر ما تشير إليه الوثيقة:

 

•  الدين العام الكلي: 20 تريليون جنيه، بنسبة تصل إلى 130٪ من الناتج المحلي (أكثر من ضعف الحد الآمن عالميًا 60٪).

•  خدمة الدين: تلتهم 179٪ من إيرادات الدولة؛ أي أن الدولة لا تعمل لخدمة المواطنين، بل لسداد فوائد الديون.

•  العجز الكلي: 7.1 تريليون جنيه؛ نزيف دائم يعني أن الاقتراض الجديد يُستخدم لسداد القديم، مع بيع الأصول كمسكن مؤقت.

 

في قلب هذه المنظومة تأتي صناديق السيادة كأداة قانونية للنهب المنظم: نقل أصول الدولة لصندوق يعمل خارج الموازنة، بيعها بأقل من قيمتها، ضياع مئات المليارات من الثروة العامة وتحويلها إلى مكاسب لتحالف ضيق داخلي وخارجي.

 

على مستوى المجتمع، ترصد الوثيقة أن 70٪ من المصريين باتوا تحت خط الفقر أو على تخومه، وأن الجنيه فقد 80٪ من قوته الشرائية منذ 2016، مع تضخم تراكمي يقترب من 100٪.

 

أما التعليم والصحة، فيتم التعامل معهما ككماليّات:

•  الإنفاق على التعليم لا يتجاوز 1.5٪ من الناتج (بدل 6٪ في الدستور)، وعلى الصحة 1.1٪ (بدل 3٪).

•  عجز 250 ألف فصل دراسي، وقرابة 469 ألف معلم، و70٪ من أطفال مصر في «فقر تعلّم».

•  عجز 75 ألف ممرضة، ونسبة أطباء أقل من الحد الأدنى العالمي، وأكثر من نصف الإنفاق الصحي من جيوب المواطنين.

 

هذه ليست أرقامًا جافة؛ بالنسبة لد. سالي، هي دليل عملي على أن النظام تخلّى عن أبسط التزاماته في العقد الاجتماعي، وقرّر أن الأولوية لخدمة الدين ومشاريع الاستعراض، لا لصحة الناس وتعليمهم.

 

بيع الأرض والسيادة… والهروب قبل لحظة الحساب

 

تذهب الوثيقة أبعد من الاقتصاد إلى ما تسميه «تفريطًا منهجيًا في السيادة والأرض». صفقة رأس الحكمة، بيع مساحات واسعة من الساحل الشمالي لصالح استثمارات إماراتية بعقود طويلة الأجل، وما سبقها من تفريغ الوراق وماسبيرو ورأس الحكمة ومناطق نيلية وساحلية أخرى من سكانها الفقراء لصالح مستثمرين، تُقدَّم في النص كجزء من بروتوكول تطهير مكاني وإعادة استعمار مبطن باسم الاستثمار.

 

يترافق هذا مع:

•  قانون أملاك الدولة (168 لسنة 2025) الذي يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة في التصرف في أراضي وأصول الدولة دون رقابة فعالة.

•  «وثيقة سياسة ملكية الدولة» التي تعلن تخارج الدولة من عشرات الأنشطة الإنتاجية، في تحوّلها إلى دولة بائعة لأصولها بدل أن تكون منتجة.

•  صفقات الغاز مع إسرائيل بشروط «Pay or Take» التي تجعل مصر تدفع حتى إن لم تستلم الغاز، وترسى نموذج تبعية طاقية موازية لتبعية المياه في ملف سد النهضة، حيث يتحول الأمن المائي والطاقي إلى أوراق مقايضة سياسية.

 

في الخاتمة، ترى د. سالي أن أخطر ما في الوثيقة ليس حجم الخراب الموصوف، بل مسرحية الهروب:

 

•  النظام يبيع الأصول، يغرق في الديون، يفقر الناس، ثم يقف ليسألهم: «هنعمل إيه في الدولار؟» وكأنه ليس من صنع الأزمة.

•  الغضب الشعبي يُعاد توجيهه إلى الداخلية والحكومة الصغرى، بينما يبقى مركز القرار بمنأى عن المساءلة.

•  تُجهَّز «المخازن» السياسية:
o  مخزن المؤسسة العسكرية لتظهر لاحقًا كمنقذ محتمل.
o  مخزن الخطاب الديني لاتهام أي حراك بأنه «فتنة».
o  مخزن «الأمن القومي» لتخوين كل معترض.

 

في هذا السياق، تقول د. سالي صلاح إن الشرعية سقطت فعليًا: دستورًا، حين تم خرقه وتحويله إلى ورقة شكلية؛ واقتصادًا، حين تحولت الدولة إلى ماكينة ديون وجباية؛ ومجتمعيًا، حين تم سحق التعليم والصحة والفقراء؛ وسياديًا، حين بيعت الأرض والمياه والغاز بثمن البقاء في الكرسي.

 

أما السؤال الجديد، فليس: هل سيسقط النظام؟ بل:

كم سيدفع الوطن من ثمن في مرحلة سقوطه؟

ومن سيتحمل مسؤولية إنقاذ دولة جرى تفكيكها عمدًا، بينما من صنعوا الانهيار يتهيؤون للهروب قبل لحظة الحساب؟