في مشهد مرعب يلخص فوضى البناء وغياب الرقابة في «العاصمة الإدارية الواقعية» المسماة بالتجمع الخامس، انشقت الأرض مساء السبت 31 يناير 2026 داخل محطة وقود بمنطقة جولدن سكوير، وابتلعت محلًّا لبيع الزهور وآخر للحلويات بعمق يقترب من 15 مترًا، في لحظات معدودة تحولت فيها البنزينة المضيئة إلى حفرة سوداء. الفيديو المتداول للحظة الانهيار – الذي وثقه شهود عيان عند محطة «موبيل» في التجمع – أظهر الأرض وهي تنهار فجأة تحت المحلين، بينما يتصاعد الغبار وسط صرخات المارة وذعر العاملين. ويمكن مشاهدة المشهد كاملًا عبر هذا الرابط:
دي البنزينة اللي قدام ماونتن فيو!!!!! pic.twitter.com/mVk4LUhY1z
— Polla (@aabdoallah) February 1, 2026
البيانات الرسمية تتحدث حتى الآن عن إصابة شخصين جرى نقلهما إلى المستشفى، دون إعلان وفيات، رغم تداول روايات شعبية عن مصرع أكثر من شخص تحت الأنقاض. لكن بعيدًا عن تضارب الأرقام، تبقى الحقيقة الأهم أن «حفرة» بعمق 15 مترًا ظهرت فجأة في قلب منطقة يفترض أنها من «الأحياء المخططة الحديثة»، بسبب أعمال حفر عشوائية في موقع إنشاءات ملاصق لمحطة وقود، في تكرار فجّ لسيناريو الإهمال العمراني الذي تحذر منه التقارير الهندسية منذ سنوات.
مشهد الرعب في جولدن سكوير: الأرض تنشق في ثوانٍ واستجابة متأخرة على وقع الصراخ
بحسب ما نشرته مواقع وصحف مصرية، تلقّت غرفة عمليات الحماية المدنية بالقاهرة بلاغًا مساء السبت يفيد بحدوث هبوط أرضي داخل محيط محطة وقود «موبيل» في التجمع الخامس، وعلى الفور انتقلت قوات الإنقاذ البري وسيارات الإسعاف إلى موقع الحادث. المعاينة المبدئية كشفت عن هبوط أرضي بعمق يقارب 15 مترًا داخل البنزينة، ما أدى إلى انهيار كامل لمحل لبيع الزهور وآخر للحلويات كان بداخلهما عاملون وقت وقوع الانهيار، وأسفر ذلك عن إصابة عاملين تم نقلهما إلى المستشفى لتلقي العلاج.
الفيديوهات المتداولة، سواء عبر منصة «إكس» أو عبر صفحات على فيسبوك، توثق لحظة انشطار الأرض وابتلاعها للمحلين خلال ثوانٍ، وسط هرولة المارة وصراخ المتواجدين في المحطة، بينما يهرع البعض لتصوير المشهد بهواتفهم المحمولة. أحد المقاطع التي نشرتها منصات إخبارية مصرية علّقت بوصف «منظر مرعب.. الأرض انشقت وبلعت المحلات»، في إشارة إلى حجم الفاجعة التي كان يمكن أن تتحول إلى مجزرة حقيقية لو وقع الهبوط في وقت ذروة الازدحام أو قرب خزانات الوقود نفسها.
تقارير إعلامية أخرى أشارت إلى أن عمق الهبوط ومساحته أعاقا عمليات الإنقاذ، واضطرّت فرق الحماية المدنية إلى تأمين محيط الحفرة خشية حدوث «توابع» للهبوط، في ظل مخاوف من امتداد الفراغ أسفل أجزاء أخرى من البنزينة أو الشارع المجاور. أحد التقارير المصورة من موقع الحادث أكد أن قوات الأمن أغلقت المنطقة بالكامل، وفرضت حزامًا أمنيًا حول الحفرة، بينما استمرت أعمال الفحص الفني لساعات.
حفر عشوائي ومخططات على الورق: كيف تحوّل التجمع الخامس إلى «منجم انهيارات»؟
المعاينة الأولية للنيابة – وفق ما نقلته مواقع مصرية – أرجعت سبب الهبوط الأرضي إلى أعمال حفر بموقع إنشاءات مجاور لمحطة الوقود، حيث يجري تجهيز قطعة أرض للبناء، ما أدى إلى تخلخل التربة تحت المحلات وانهيارها بهذا الشكل المفاجئ. مصادر أمنية أكدت أن هناك تحقيقات جارية حول التراخيص الممنوحة للموقع، وطبيعة الأساسات، ومدى التزام القائمين على المشروع باشتراطات السلامة الهندسية والقانونية.
هذه ليست الواقعة الأولى من نوعها في مناطق شرق القاهرة الجديدة؛ فقد سبق أن شهدت أحياء في التجمع والمدن الجديدة هبوطات وانهيارات جزئية في طرق وأنفاق ومناطق صرف، غالبًا ما جرى التعامل معها كحوادث «فنية» معزولة، دون مراجعة شاملة لسياسات البناء السريع التي حولت الصحاري إلى أبراج وأسفلت في زمن قياسي، على حساب التربة والبنية التحتية.
اليوم، يطرح هبوط بعمق 15 مترًا في بنزينة مجاورة لموقع حفر سؤالًا أكبر من حادثة واحدة: من الذي سمح بإقامة مشروع إنشاءات بهذا القرب من محطة وقود، دون حواجز دعم، ودون دراسات تربة كافية تضمن استقرار الأرض وعدم تخلخلها؟ أين دور جهاز المدينة والأحياء والرقابة على أعمال المقاولين؟ وكيف تُمنح التراخيص في منطقة حساسة من ناحية المرور والكثافة السكانية وخطورة النشاط (تخزين وبيع وقود) ثم تُترك الأمور للمقاول ومهندس الموقع؟
الخبراء يحذرون منذ سنوات من أن اختصار تكاليف الدراسات الجيولوجية واختبارات التربة، أو تحميلها لجهات غير مستقلة، يفتح الباب لانهيارات كارثية مع أول خطأ في الحفر أو تغيير في منسوب المياه الجوفية. ما حدث في التجمع ليس إلا «جرس إنذار» لمدينة بُنيت على عجل، وبأيدي عشرات الشركات التي لا تخضع فعليًا لرقابة هندسية صارمة، بقدر ما تخضع لعلاقاتها مع أجهزة الدولة والجهات المالكة للأراضي.
من مسؤول عن 15 مترًا من الفراغ؟ من المحليات حتى وزارة البترول
كارثة بنزينة التجمع لا يمكن اختزالها في عنوان «حادث هبوط أرضي» وتنتهي الحكاية؛ فمحطة الوقود تخضع في الأصل لإشراف وزارة البترول والثروة المعدنية، ولها اشتراطات سلامة صارمة تتعلق بخزانات الوقود، وطرق الدخول والخروج، والمسافات الآمنة بينها وبين أي أعمال حفر أو إنشاءات مجاورة. كيف مرت أعمال الحفر في الموقع المجاور دون تنسيق مسبق أو موافقة هندسية موثقة من جميع الجهات المعنية؟
من ناحية أخرى، تقع مسؤولية الرقابة على تراخيص البناء والحفر على جهاز مدينة القاهرة الجديدة، والإدارة الهندسية للأحياء، التي يفترض أن تراجع الرسومات، وترصد أي خطر محتمل على المنشآت المحيطة. هبوط بهذا الحجم يعني واحدًا من اثنين: إما أن الدراسات لم تُجرَ من الأساس، أو أنها أُجريت شكليًا وتجاهلت تحذيرات هندسية بدافع الإسراع في التنفيذ وتقليل التكلفة.
الخطورة هنا ليست فقط في المحلين اللذين ابتلعتهما الحفرة، ولا في العاملين المصابين الذين نُقلوا إلى المستشفى. الخطورة في الدرس الذي يرسله هذا المشهد لسكان التجمع الخامس وكل المدن الجديدة: أن الأرض تحت أقدامهم قد تكون مجوفة بفعل حفر غير مدروس، وأن «الكمبوندات» والشوارع اللامعة ليست ضمانة ضد الانهيار، ما دام منطق البناء السائد هو السرعة على حساب الأمان، والربح السريع على حساب حياة الناس.
رغم أن البيانات الرسمية تتحدث حتى الآن عن إصابتين فقط، فإن الحادثة تكشف عن «هبوط» أكبر بكثير من 15 مترًا في أرضية الدولة نفسها: هبوط في قيمة حياة الإنسان في ميزان التخطيط العمراني، وهبوط في مستوى الرقابة الهندسية، وهبوط في شفافية التحقيقات التي غالبًا ما تنتهي بعبارة فضفاضة من نوع «تم اتخاذ الإجراءات القانونية» دون أن يعرف أحد من الذي أخطأ ومن الذي سيدفع الثمن.
في النهاية، مشهد بنزينة التجمع هو صورة مصغرة لجمهورية كاملة تُحفر من تحتها الأرض بفعل الإهمال وغياب المحاسبة. السؤال الذي طرحه شهود العيان على الفيديو – «فاين الدولة واين الرقابة؟» – ليس مجرد تعليق غاضب، بل هو عنوان المرحلة كلها: دولة حاضرة حين تجبي الغرامات والضرائب، وغائبة حين يتعلق الأمر بأبسط واجباتها؛ حماية أرواح من يعملون في محل ورد صغير أو محل حلويات في بنزينة على أطراف المدينة.
om/share/r/176MTTav36 https://www.facebook.com/watch/?v=789621373422385 https://www.facebook.com/watch/?v=

