أعادت تصريحات المقررة الأممية المعنية بحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيز إشعال الجدل حول حدود سلطة الاحتلال في التحكم بدخول المنظمات والأفراد إلى الأراضي التي يسيطر عليها، بعدما انتقدت علنًا ما وصفته بـ“تطبيع” التعامل مع الاحتلال عبر الخضوع لاشتراطاته.
جاءت مواقفها في سياق قرار إسرائيلي يقيّد عمل منظمة أطباء بلا حدود في قطاع غزة، وما تلاه من نقاش أوسع عن الحيّز الإنساني، والضمانات القانونية للعاملين في الإغاثة، وقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من الإدانة إلى فرض الالتزام بالقانون الدولي. سياق التصريح: صدام حول “قوائم الموظفين” وحدود العمل الإنساني
بحسب ما نقلته رويترز، رفضت المنظمة الاستجابة لمطلب إسرائيلي بتقديم بيانات تفصيلية عن العاملين لديها كشرط للاستمرار في الوصول والعمل، مبدية مخاوف تتعلق بسلامة طواقمها، ومشددة على أن مشاركة مثل هذه البيانات دون ضمانات قد تعرض أفرادها لمخاطر إضافية في بيئة نزاع شديدة الحساسية.
وفي المقابل، اتهمت جهات إسرائيلية المنظمة بعدم الالتزام بلوائح جديدة خاصة بتسجيل المنظمات، وربطت القرار بدواعٍ أمنية. في هذا المناخ، كتبت ألبانيز على منصة إكس أن “إسرائيل لا تملك سلطة” لمنع الأشخاص من دخول الأراضي الفلسطينية التي تحتلها بصورة غير قانونية، داعية إلى وقف “تطبيع” الاحتلال عبر الانصياع لاشتراطاته، ومطالبةً بترجمة الخطاب القانوني إلى ممارسة سياسية تضغط باتجاه العدالة وإنهاء الوضع غير المشروع. المرتكز القانوني: ماذا تقول محكمة العدل الدولية عن طبيعة الاحتلال؟
تحاول ألبانيز إسناد موقفها إلى ما تعتبره مرجعية قانونية حديثة نسبيًا، وهي الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن “العواقب القانونية” لسياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة. ملخص المحكمة يشير إلى أن السياسات والممارسات محل النظر ترقى إلى ضمّ أجزاء واسعة من الأرض المحتلة، وأن استمرار الوضع القائم لا يمكن تبريره قانونيًا، مع التأكيد على وحدة الإقليم الفلسطيني بوصفه وحدة إقليمية ينبغي احترامها وحمايتها.
هذه الإشارات تمنح خطاب ألبانيز أرضية تقول من خلالها إن القيود الإسرائيلية على الدخول والعمل في أرض محتلة ليست مجرد إجراءات سيادية عادية، بل تقع في سياق احتلال تصفه المحكمة بأنه غير قانوني وما يترتب على ذلك من التزامات على دولة الاحتلال وعلى الأطراف الأخرى.
لكن الفجوة الأساسية هنا ليست في وجود مرجع قانوني، بل في كيفية إنفاذه. فالرأي الاستشاري، رغم ثقله السياسي والقانوني، لا يتحول تلقائيًا إلى آلية تنفيذ على الأرض ما لم تُترجم خلاصاته إلى أدوات ضغط دبلوماسية واقتصادية وقانونية تقودها الدول والمؤسسات الدولية. ومن هنا يصبح خطاب “كفى تطبيعًا” رسالة موجهة أساسًا إلى الحكومات: أن التمسك بالتعاون الاعتيادي، أو القبول بشروط تقيّد الإغاثة، قد يعني عمليًا إدامة وضع تصفه المحكمة بأنه غير مشروع. الأثر الإنساني والسياسي: ما الذي يعنيه تقييد المنظمات داخل غزة؟
تحذيرات المنظمات الإنسانية عادة لا تتعلق بالسياسة المجردة، بل بتداعيات مباشرة على المدنيين. رويترز نقلت عن أطباء بلا حدود أن اشتراطات تقديم بيانات الطواقم قد يعرّض العاملين للخطر ويقوض قدرة المنظمة على العمل، وهو ما ينعكس على خدمات طبية وإغاثية تُعد حيوية في سياق انهيار واسع للمنظومة الصحية في غزة. كما أن تغطيات حديثة تحدثت عن أن القيود على منظمات الإغاثة تأتي ضمن موجة أوسع من إجراءات تنظيمية وأمنية، ما يفاقم المخاوف من تضييق الحيّز الإنساني وإبطاء الاستجابة الطارئة.
سياسيًا، توظيف ألبانيز للغة حادة ينسجم مع مسارها في السنوات الأخيرة، حيث ربطت بين الاقتصاد والسياسة والحقوق، واعتبرت أن ما يجري لا يمكن فهمه فقط باعتباره أزمة إنسانية، بل باعتباره بنية احتلال تُنتج انتهاكات ممنهجة وتتغذى عليها شبكات مصالح. في تقارير أممية منشورة عبر منظومة الأمم المتحدة ومفوضية حقوق الإنسان، دفعت ألبانيز بهذا الاتجاه التحليلي، معتبرة أن الانتقال من “اقتصاد الاحتلال” إلى “اقتصاد الإبادة” هو موضوع يستوجب مساءلة أوسع، بما يشمل مسؤوليات الجهات الفاعلة غير الحكومية أيضًا. خاتمة
واخيرا فان موقف ألبانيز ليست مجرد اعتراض على قرار إداري يخص منظمة بعينها، بل محاولة لإعادة تعريف معيار التعامل الدولي مع الاحتلال: هل يُدار باعتباره “واقعًا” تُستخرج منه استثناءات إنسانية بشروط يفرضها الطرف الأقوى، أم باعتباره وضعًا غير قانوني يتطلب وقف التكيّف معه والانتقال إلى أدوات إلزام ومحاسبة؟
وبينما ترى إسرائيل أن القيود جزء من منظومة أمنية وتنظيمية، تؤكد منظمات الإغاثة أن شروط الكشف عن بيانات الطواقم تمس جوهر الحماية الإنسانية. وفي مساحة التوتر بين الأمن والإنسانية والقانون، تصبح معركة “الدخول والعمل” في غزة اختبارًا جديدًا لمدى قدرة المجتمع الدولي على حماية العمل الإنساني دون أن يتحول ذلك إلى قبول دائم بإملاءات الاحتلال.

