في مشهد يلخّص طبيعة التعامل الأمني مع ملف جزيرة الوراق منذ عام 2017، قررت نيابة أمن الدولة العليا تجديد حبس 18 عاملًا وتاجرًا لمواد البناء على ذمة القضية رقم 10709 لسنة 2025، رغم حيازتهم تراخيص عمل رسمية، ورغم أنهم ليسوا من سكان الجزيرة أصلًا. قرار الحبس لم يأتِ على خلفية أي عنف أو نشاط مسلح، بل على خلفية نشاط اقتصادي مشروع: توريد مواد البناء إلى منطقة تحوّلت منذ سنوات إلى ساحة صراع مفتوح بين الأهالي والدولة على خلفية مشاريع استثمارية ونزع ملكية واسعة.
المبادرة المصرية للحقوق الشخصية المبادرة المصرية للحقوق الشخصية طالبت النائب العام صراحة بإخلاء سبيل العمال والتجار وإسقاط الاتهامات عنهم، مؤكدة غياب أي دلائل جدية على ارتكابهم أفعالًا مجرَّمة، وأن كل ما يملكونه هو سجلات تجارية، ومخازن مرخَّصة، وسمعة مهنية واجتماعية معروفة. في المقابل، تصر نيابة أمن الدولة على استمرار حبسهم الاحتياطي بتهم ثقيلة من عيار “الانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها” و“نشر أخبار كاذبة” و“استخدام وسائل إلكترونية للترويج لجرائم إرهابية”، في توظيف مكرر لقانون الإرهاب لسحق أي هامش حركة يخص الوراق وأهلها ومحيطها.
القضية الأخيرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق أوسع: سبع سنوات من الحصار الأمني لجزيرة الوراق جزيرة الوراق ومنع دخول مواد البناء وتضييق على المراكب والعبَّارات، ضمن خطة لتحويل الجزيرة إلى مشروع استثماري ضخم على حساب السكان الأصليين، وهي سياسة وثّقتها منظمات وبحوث مستقلة باعتبارها نموذجًا فاقعًا لـ“تنمية” قائمة على التهجير القسري والتجفيف البطيء لمقومات الحياة.
قضية 10709 لسنة 2025: من تجريم التضامن إلى تجريم لقمة العيش
بحسب ما وثقته المبادرة المصرية، فإن المتهمين الـ18 هم عمال وتجار مواد بناء مرخَّصون، يمتلكون سجلات تجارية ومخازن قانونية، ويعملون في إطار منظومة اقتصادية معلَنة ومعروفة داخل مناطقهم في محافظة القليوبية محافظة القليوبية. ومع ذلك، وُضِعوا فجأة في خانة “الإرهاب”، فقط لأن نشاطهم الاقتصادي العادي تداخل مع ملف تعتبره الدولة “أمنيًّا بامتياز”، هو ملف البناء في الوراق.
النيابة وجّهت إلى المتهمين حزمة الاتهامات الجاهزة التي صارت علامة مسجلة لقضايا أمن الدولة: الانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها، الاشتراك في تجمهر، إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، نشر أخبار كاذبة، استخدام وسائل إلكترونية للترويج لجرائم إرهابية. لكنها، وفق رواية الدفاع والمنظمة الحقوقية، لم تقدّم أي دليل فعلي على وجود تنظيم أو تمويل أو تحريض، ولا حتى على أن هؤلاء مارسوا أي فعل يتجاوز نطاق عملهم المعتاد كتجار مواد بناء.
الأخطر أن الأهالي وشهودًا من داخل جزيرة الوراق أكدوا أنه لم يُقبَض على أي من سكان الجزيرة على ذمة هذه القضية، وأن جميع المقبوض عليهم من خارجها. هذا يعني أن دائرة الاستهداف توسعت لتشمل “حزام الدعم” حول الجزيرة: كل من يزودها بما تحتاجه للبقاء، وفي المقدمة مورِّدو مواد البناء الذين يُجرَّمون اليوم لمجرد استمرارهم في البيع والشراء داخل نطاق جغرافي “مغضوب عليه” سياسيًا وأمنيًا.
عمليًا، تتحول نيابة أمن الدولة العليا نيابة أمن الدولة العليا في مثل هذه القضايا من جهة يفترض أن تراقب مشروعية تدخل أجهزة الأمن، إلى ذراع قضائية يمرّ عبرها توظيف قانون الإرهاب في نزاع على الأرض والاستثمار، لا على العنف أو السلاح. وهو ما يجعل مطلب المبادرة المصرية بإخلاء السبيل ليس فقط دفاعًا عن 18 متهمًا، بل عن مبدأ أساسي: ألا تُستَخدم أخطر التهم الجنائية كأداة ضغط في نزاع عقاري وسياسي.
من القليوبية إلى شبرا الخيمة: اعتقالات على الطريقة الأمنية الكاملة
تفاصيل القبض تكشف هي الأخرى النمط المعروف في قضايا أمن الدولة. قوات تابعة لقطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية قطاع الأمن الوطني نفذت حملة مداهمات متزامنة في النصف الثاني من ديسمبر 2025 في أكثر من منطقة بمحافظة القليوبية، رافقتها اقتحامات عنيفة للمنازل وترويع للنساء والأطفال. لم يُبلَّغ المقبوض عليهم أو ذووهم بسبب القبض أو الجهة التي أمرت به، بل جرى اقتيادهم مباشرة إلى مقر الأمن الوطني في شبرا الخيمة شبرا الخيمة، في احتجاز غير قانوني وإخفاء قسري لعدة أيام خارج أي إطار قضائي.
هذه الوقائع تتطابق مع ما وثقته منظمات حقوقية أخرى، بينها الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، عن نفس القضية رقم 10709 لسنة 2025: اعتقال متهمين من القليوبية يوم 18 ديسمبر 2025، احتجازهم 4 أيام في مقر الأمن الوطني بشبرا الخيمة، ثم عرضهم بعد ذلك على نيابة أمن الدولة العليا، مع اتهامات نمطية بالتجمع غير القانوني وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ونشر أخبار كاذبة، على خلفية مزاعم تتعلق بنقل معدات ومواد بناء إلى الجزيرة.
هذا النمط – المداهمة ليلًا، الإخفاء القسري، ثم “إعادة تدوير” التحقيقات أمام أمن الدولة – لم يعد استثناء، بل صار طريقة إدارة ثابتة في ملفات تعتبرها الأجهزة “حساسة”، من قضايا التعبير والرأي إلى التضامن مع غزة، وصولًا إلى جزيرة الوراق. وكلما توسعت دائرة القمع، اتسعت معها دائرة الاشتباه العشوائي التي تبتلع مواطنين عاديين لا سلاح لهم ولا تنظيم ولا نشاط سياسي؛ كل “جريمتهم” أنهم يمارسون عملًا مشروعًا في منطقة قررت الدولة تحويلها إلى مشروع استثماري مغلق.
في ظل هذا السياق، تتحول التهم الموجهة إلى العمال والتجار إلى سيف معلق فوق رقاب كل من يتعامل اقتصاديًا مع الجزيرة: مقاول، تاجر طوب، صاحب مركب، أو حتى عامل نقل. الرسالة واضحة: الاقتراب من الوراق أو مساعدة أهلها بأي شكل، حتى عبر نشاط مشروع كبيع مواد البناء، قد يكلّفك تهمًا بالإرهاب والسجن الاحتياطي المفتوح.
الوراق منذ 2017: تنمية بالقوة وتجفيف لمقومات الحياة
أزمة جزيرة الوراق لا تبدأ عند هذه القضية، بل تعود جذورها إلى عام 2017 حين أعلن عبد الفتاح السيسي لأول مرة عن الجزيرة في خطاب شهير، وُضِعت بعده على خريطة “المشروعات الاستثمارية الكبرى” تحت مسميات مثل “مدينة حورس”، وتحولت تدريجيًا إلى نموذج صارخ لكيفية إدارة الدولة للنزاع على الأرض والتنمية: حصار أمني، شيطنة إعلامية، وتضييق منظم على residents لإجبارهم على الرحيل.
منذ ذلك الحين، وثقت تقارير بحثية وحقوقية نمطًا متكررًا من التضييق: تقليص عدد المعديات والعبّارات التي تربط الجزيرة بالبر، تشديد التفتيش على الداخلين والخارجين، ومنع دخول مواد البناء بشكل شبه كامل، في محاولة وقف أي بناء جديد أو حتى صيانة للمنازل القائمة، إلى جانب حملات إزالة ومداهمات أمنية متكررة.
اليوم، ومع تجديد حبس 18 عاملاً وتاجرًا من خارج الجزيرة، يبدو أن استراتيجية “تجفيف” الوراق انتقلت إلى مستوى جديد: ليس فقط منع مواد البناء عند بوابات الجزيرة، بل ملاحقة سلاسل التوريد نفسها، وتجريم من يجرؤ على الاستمرار في البيع والشراء مع أهلها. هنا يتحول القانون الجنائي وأدوات مكافحة الإرهاب إلى وسيلة عقاب جماعي غير معلن، ليس للأهالي فقط، بل لكل من يمد لهم يد العون المهنية أو الاقتصادية.
المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ترى أن ما يحدث هو استخدام للأدوات الجنائية لإدارة نزاع سياسي واقتصادي حول ملكية الأرض وخطط الاستثمار، وليس مواجهة لخطر أمني حقيقي. وتطالب بإخلاء سبيل العمال والتجار فورًا، والتحقيق في وقائع الإخفاء القسري والاحتجاز غير القانوني، ووقف توظيف نيابة أمن الدولة كمسار افتراضي لكل قضية تمس الوراق وأهلها.
في المحصلة، لا تكمن خطورة القضية رقم 10709 لسنة 2025 فقط في مصير 18 عاملًا وتاجرًا، بل في ما ترسّخه من سابقة: أن تتحول “الطوب والرمل والحديد” إلى قرائن على الإرهاب، وأن يتحول التجار والعمال إلى رهائن لصراع طويل على جزيرة تُعاد صياغتها على مقاس المستثمرين، بينما يُزَج بمن يقف إلى جوارها – ولو بتحميل شحنة أسمنت – إلى زنزانة احتياطي بلا سقف زمني ولا أفق للعدالة.

