في شهادة تُشبه بلاغ استغاثة مفتوح للعالم، حذّر رائد النمس، مدير إعلام الهلال الأحمر الفلسطيني، من أنّ الأزمة الصحية في قطاع غزة وصلت إلى مرحلة “الخطر الوجودي”، مع استمرار قيود الاحتلال على خروج المرضى عبر معبر رفح، وترك آلاف الحالات الحرجة تواجه الموت تحت القصف أو في خيام النزوح. وفي خلفية هذا التحذير، يشهد اليوم الخميس 5 فبراير 2026 تطورات متسارعة: فتح جزئي جديد للمعبر، إجلاء أعداد محدودة من المرضى، إعادة عشرات الجثامين، واستمرار هجمات عسكرية تُحوّل أي حديث عن “هدنة” إلى وهم سياسي.
رائد النمس يصف واقعًا طبّيًا منهوكًا: مستشفيات متوقفة أو شبه مدمَّرة، نقص حاد في الأدوية والمستلزمات والوقود، واستهداف مباشر للطواقم الطبية، في وقت لا تتجاوز فيه أعداد المُجَلَّين عبر رفح عشرات محدودة، مقابل عشرات الآلاف من المرضى والجرحى الذين يفترض أن تكون حياتهم أولوية إنسانية محمية لا ورقة تفاوض أمنية.
منظومة صحية تحتضر: مستشفيات خارج الخدمة وجراحات مستحيلة
يؤكد النمس أن القطاع الصحي في غزة يعيش حالة “انهيار شبه كامل”، بعد تدمير أو تعطيل غالبية المستشفيات، ونفاد الوقود الذي يُبقي ما تبقّى منها على قيد العمل، فضلًا عن نقصٍ قاسٍ في الأدوية والمحاليل وأبسط الأدوات الطبية. تقديرات منظمات أممية تشير إلى أن أقل من نصف مستشفيات غزة يعمل بشكل جزئي، في ظل مئات الهجمات الموثَّقة على المنشآت الصحية منذ اندلاع العدوان، ما جعل أي عملية جراحية متقدمة أو رعاية مركزة تحديًا شبه مستحيل.
الهجوم المستمر على البنية الصحية لا يقتصر على الحجر، بل طال البشر أيضًا. تقارير صحية دولية توثّق مقتل مئات من العاملين في القطاع الطبي، وتدمير العشرات من سيارات الإسعاف، بينما يضيف رائد النمس بُعدًا أكثر قسوة عندما يكشف عن استشهاد 58 من كوادر الهلال الأحمر وحده، في انتهاك مباشر لكل قواعد القانون الدولي الإنساني التي تمنح حماية خاصة للطواقم الطبية وسيارات الإسعاف.
في مواجهة هذا الخراب، اضطر الهلال الأحمر إلى إنشاء 37 نقطة طبية و4 مستشفيات ميدانية بديلة، في محاولة للترقيع لا للإصلاح؛ نقاط إسعاف تُقدِّم “الحد الأدنى الممكن” من الخدمات في ظل ندرة الأطباء، وغياب غرف عمليات مجهزة، وانعدام القدرة على التعامل مع الإصابات المعقدة أو الأمراض المزمنة التي تحتاج إلى تجهيزات عالية. هذه ليست منظومة صحة؛ بل شبكة إسعاف طارئة ممتدة على أنقاض نظام طبي جرى تفكيكه بالقصف والحصار معًا.
رفح.. ممر إنساني على الورق، بوابة خنق في الواقع
يفصّل النمس آلية معقّدة أشبه بـ”غربال سياسي” لمرور المرضى: وزارة الصحة في غزة تُعدّ قوائم بأخطر الحالات، تُرسلها لمنظمة الصحة العالمية منظمة الصحة العالمية، التي تتولى بدورها التنسيق مع الاحتلال للموافقة على أعداد محدودة من الأسماء، في تجاهلٍ تام لحجم الكارثة الصحية وحق المرضى في العلاج دون تمييز.
الاتفاق المعلن لفتح الأونروا ورفح في المرحلة الحالية نصّ على السماح بخروج 50 مريضًا يوميًا لتلقي العلاج في الخارج، لكن الواقع على الأرض مختلف تمامًا: منذ إعادة فتح المعبر جزئيًا، لم يتجاوز مجموع من تم إجلاؤهم سوى بضع عشرات خلال أيام، بينهم 15 مريضًا فقط اليوم، برفقة عائلاتهم، في وقت تتحدث تقديرات طبية عن نحو 20 ألف حالة تحتاج إلى إجلاء عاجل خارج غزة.
الأخطر أن الاحتلال يُبقي زرّ “التنسيق” سلاحًا إضافيًا؛ فبعد الإعلان عن دفعات إجلاء، جرى مؤخرًا إلغاء تنسيق الدفعة الثالثة بالكامل دون إبداء أي أسباب، ما أدى إلى تعليق سفر المرضى الذين جرى إبلاغهم مسبقًا بالاستعداد للمغادرة. اليوم الخميس، استؤنفت عمليات الإجلاء جزئيًا، لكن ضمن أرقام رمزية لا تعكس حجم النزيف البشري، في مقابل مشهد آخر لا يقل قسوة تمثّل في تسلُّم غزة 54 جثمانًا و66 صندوقًا من رفات الفلسطينيين، في دلالة على أن المعبر أصبح أكثر انشغالًا بإدخال الموتى من إخراج الأحياء.
هذه السياسة لا يمكن قراءتها بوصفها “ترتيبات لوجستية”، بل جزءًا من إدارةٍ ممنهجة لمعاناة المرضى كورقة ضغط؛ تقليص الأعداد، إبطاء الإجراءات، وإبقاء المصير الصحي لمئات الآلاف مرهونًا بموافقة أمنية من قوة احتلال، في مخالفة صريحة للقانون الدولي الإنساني الذي يُلزم بتأمين العلاج للجرحى والمرضى دون عوائق أو انتقاء سياسي.
خميس ثقيل في غزة: أرقام الضحايا تكذّب “الهدنة”
في خلفية نداء رائد النمس، يأتي اليوم الخميس 5 فبراير محمّلًا بإشارات جديدة على أن ما يُسمّى “وقف إطلاق النار” ليس سوى هدنة مثقوبة. تقارير ميدانية تشير إلى استمرار الهجمات الإسرائيلية في أكثر من محور داخل القطاع، مع سقوط قتيل وجريح في خان يونس صباح اليوم، بعد يومٍ آخر وُصف بأنه من الأكثر دموية منذ سريان الهدنة، مع مقتل أكثر من 20 فلسطينيًا في ضربات متفرقة شمالًا وجنوبًا.
على المستوى الأوسع، تُقدِّر تقارير أممية أن عدد الشهداء في غزة تجاوز 71 ألفًا منذ أكتوبر 2023، فيما تخطى عدد الجرحى 170 ألفًا، مع تدمير أو إتلاف نحو 90% من البنية التحتية في القطاع، بما في ذلك المستشفيات والطرق وشبكات المياه والكهرباء. هذه الأرقام تعني ببساطة أن كل عملية جراحية وكل سرير عناية مركزة باتت نتاج معركة يومية مع نقص الموارد، لا وظيفة عادية لنظام صحي يعمل في ظروف حرب.
اليوم أيضًا يستمر الجدل حول فتح مصر لمعبر رفح وفق ترتيبات الهدنة الجديدة، وسط شهادات عن معاملة مهينة من قوات الاحتلال للفلسطينيين العائدين، من تقييد وتعصيب أعين واستجوابات مطوّلة، ما يحوّل الممر الإنساني إلى سلسلة حلقات من الإذلال النفسي فوق الألم الجسدي.
في مقابل ذلك، تبدو استجابة المجتمع الدولي أقل بكثير من حجم المأساة. بيانات صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات طبية دولية تشدد على ضرورة تسريع الإجلاء الطبي وفتح ممرات إنسانية مستقرة، لكن هذه الدعوات لم تُترجم حتى الآن إلى آلية إلزام واضحة تفرض على إسرائيل احترام التزاماتها القانونية كقوة احتلال. النتيجة أن آلاف المرضى في غزة يعيشون اليوم في منطقة رمادية: لا علاج متاحًا في الداخل، ولا مخرجًا آمنًا إلى الخارج، وبينهما قصفٌ لا يتوقف، وحدودٌ لا تُفتح إلا بالقطّارة.
في هذا السياق، لا يكون نداء رائد النمس مجرد تصريح إعلامي، بل شهادة موثقة على أن ما يحدث في غزة ليس “عجزًا صحيًا” بل حصارًا طبيًا وسياسة خنق بطيء لحقٍّ بديهي اسمه: العلاج. ومع كل يوم جديد يمرّ دون تغيير جذري في قواعد اللعبة عند المعابر، تتحول كل ساعة انتظار أمام رفح إلى حكمٍ بالإعدام المؤجَّل على مرضى لا يطلبون سوى فرصة للنجاة.

