بعد أيام قليلة من مرور الذكرى الـ15 لثورة 25 يناير 2011، انفجرت في مصر سلسلة وقائع أمنية كشفت حجم التوتر الذي يحكم علاقة السلطة بالمجتمع.

من توقيف شابين بسبب لافتة كتب عليها «صل على النبي»، إلى القبض على سيدة من السويس اشتكت علنًا من هدم بيتها، وصولًا إلى اعتقالات متلاحقة لناشطين وصحفيين ومحامين خلال يناير وديسمبر الماضيين، بدا أن النظام يرسل رسالة صارمة: أي تعبير مستقل، دينيًا كان أو اجتماعيًا أو حقوقيًا، يمكن أن يُعامَل كتهديد أمني.

 

لافتة الصلاة على النبي.. تريند شعبي يتحول إلى قضية جنح

 

القصة الأولى بدأت منتصف الشهر الماضي مع انتشار صورة لافتة كبيرة على طريق العاشر من رمضان – الإسماعيلية، تحمل عبارة «صل على النبي»، وتحوّلت بسرعة إلى تريند واسع على مواقع التواصل، قبل أن تُقلَّد في أماكن أخرى، بينها مسجد جديد في الصعيد، ولافتات مشابهة تحمل أدعية وأذكارًا. الصورة المتداولة يمكن مشاهدتها عبر الرابط:

 

 

مع اتساع التفاعل، دخلت على الخط صفحات علمانية وإعلاميون مقربون من السلطة، مطالبين بنزع اللافتة ومعاقبة الشابين الشقيقين عبد الرحمن وعبد الرحيم إبراهيم من محافظة الإسماعيلية، بعد ظهورهما إلى جوارها.

محامون تقدموا ببلاغات ضدهما بتهمة «إتلاف الرصيف»، قبل أن يعلن شقيقهما الثالث يوم الخميس 29 يناير الماضي عن توقيفهما، لتقرّر جهات التحقيق لاحقًا إخلاء سبيلهما على ذمة القضية رقم 904 لسنة 2026 جنح العاشر من رمضان.

 

القانون رقم 208 لسنة 2020 المنظم للإعلانات على الطرق يربط الاختصاص بالوحدات المحلية وهيئة المجتمعات العمرانية وهيئة الطرق والكباري، وتنص المادة (9) على معاقبة من يضع إعلانًا أو لافتة بالمخالفة للقانون بغرامة لا تقل عن مثلي تكلفة الأعمال.

محامون أشاروا إلى أن أقصى ما يُنسب للشابين مخالفة إدارية، لا جناية ولا قضية أمن دولة، خصوصًا أن اللافتة ليست إعلانًا تجاريًا ولا تحقق ربحًا، وأن تقدير «إتلاف الرصيف» من اختصاص الإدارة المحلية ويُعالج بالغرامة.

 

التوقيف أعاد الذاكرة إلى عام 2014، حين انتشر ملصق «هل صليت على النبي اليوم؟» على المحال والسيارات وعلى السوشيال ميديا.

وقتها اعتبرت السلطة الملصق «إشارة سياسية»، وهاجم وزير الأوقاف الأسبق مختار جمعة انتشاره واصفًا إياه بأنه «أمر مريب وخبيث»، بينما قاد وزير الداخلية حينها محمد إبراهيم حملة مضادة، وفرضت المحليات غرامة قدرها 30 جنيهًا على كل ملصق حتى اختفى من المشهد.

 

اليوم، وبعد 15 عامًا على ثورة رفعت شعار «عيش، حرية»، يجد المصريون أنفسهم أمام سؤال المحامي أحمد مهران: «هل أصبحت الصلاة على النبي جريمة؟ هل المشكلة في اللافتة ومكانها، أم في العبارة نفسها؟».

 

سيدة السويس.. من هدم البيت إلى الاتهام لمجرّد الاستغاثة

 

الواقعة الثانية انفجرت الأربعاء الماضي في حي الجناين بمحافظة السويس، حين ظهرت سيدة في مقطع مصوَّر تستغيث بالسيسي بينما تقوم قوات الشرطة والسلطات المحلية بهدم عقارات في المنطقة، بينها منزلها الذي تؤكد امتلاكه بعقود وتسلسل ملكية موثق.

قالت إن الحملة أمهلتها يومًا واحدًا فقط لإخلاء الشقة، وإن ما يحدث «أوامر من الرئيس السيسي»، بينما تظهر الجرافات وهي تهدم أحد الجدران وتطيح بمبانٍ مجاورة.

 

الجمعة 30 يناير الماضي، اعترفت الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية في بيان بوجود إزالة لعقارات ضمن مشروع تطوير الطرق لربط المعابر باعتباره من أعمال المنفعة العامة، لكنها أعلنت أيضًا «ضبط السيدة» والتحقيق معها، في رسالة واضحة بأن الشكوى العلنية من هدم البيوت خط أحمر.

 

هذه الحادثة تضاف إلى سجل طويل من قرارات الإخلاء والهدم منذ 2014: إزالة مدينة رفح وتهجير أهلها بين أعوام 2014 و2017، تفجُّر أزمة جزيرة الوراق منذ 2017 وصولًا إلى القرار الجمهوري رقم 20 لسنة 2018 بتحويلها إلى «مركز تجاري عالمي» باسم «مدينة حورس» برعاية استثمارات إماراتية، ثم تهجير أجزاء من مدينة العريش بين 2018 و2025 لتوسعة المطار والميناء، وصدور القرار الجمهوري رقم 430 لسنة 2021 بنزع ملكية أراضٍ في حي «الريسة».

 

وفي عامي 2024 و2025، تكررت الصورة مع الإعلان عن استثمارات إماراتية وقطرية في «رأس الحكمة» و«علم الروم» بالساحل الشمالي الغربي، تلاها إخلاء مساحات واسعة وسط احتجاج القبائل وسكان المنطقة على ضعف التعويضات.

تقرير «مرصد العمران» الصادر يوم 26 يناير 2025 وثّق وجود 109 مشروعات «نفع عام» تطلبت نزع ملكية عقارات أو أراضٍ بمساحة إجمالية تبلغ 24 ألف فدان، إضافة إلى نزع ملكية 17 ألف وحدة سكنية خلال عام 2024 وحده.

 

في هذا السياق، تبدو سيدة السويس نموذجًا لمواطن لا يملك سوى الكاميرا وصوت مرتجف، ليكتشف أن رفع الشكوى العلنية قد يجرّ عليه توقيفًا وتحقيقًا بدلًا من إنصافه.

 

من كوشا إلى دومة.. قبضة أمنية تجرّم الذكر والانتقاد معًا

 

اللافت أن القبضة الأمنية لا تُستخدم فقط ضد التدين الشعبي، بل تمتد إلى كل من يرفع رأسه بالاعتراض. في ملف «صلِّ على النبي»، تزامنت القضية مع جدل أثاره صانع محتوى ملحد يدعى عمر كوشا، نشر أغنية على لحن «يا نبي سلام عليك» الشهير لماهر زين تتضمن إساءات صريحة للنبي ﷺ.

الأزهر الشريف وصف ما فعله بأنه «اعتداء سافر»، ومحامون مثل خالد المصري أكدوا أن كوشا معروف بإلحاده وأن أسرته في المنوفية تبرأت منه.

ومع ذلك، وحتى كتابة السطور، لم يُعلن عن إجراءات رسمية ضده، بينما اشترط هو لحذف المقطع إلغاء قانون ازدراء الأديان في مصر، بحسب موقع «القاهرة 24».

 

في المقابل، تتوالى التوقيفات على خلفيات أقل بكثير: في 20 يناير الماضي، اعتُقل الناشط السياسي أحمد دومة بعد نشره مقطع فيديو بتقنية الذكاء الاصطناعي عن المعتقل محمد عادل، قبل أن يُفرج عنه لاحقًا بكفالة قدرها 100 ألف جنيه.

في التوقيت نفسه تقريبًا، اعتقلت السلطات المحامي أحمد أبو النصر في المحلة الكبرى بسبب منشور على «فيسبوك» انتقد فيه أحد الأوضاع العامة، وفق مركز الشهاب لحقوق الإنسان.

 

الخميس الماضي، أُوقف مصورو فيديو المحامي أشرف نبيل على متن طائرة خاصة متجهة إلى أسوان، بدعوى التصوير دون تصريح.

يوم 24 يناير الماضي، ألقي القبض على الصحفي فارس فؤاد في الجيزة لتغطيته خبر اختطاف طفل سوداني من مدرسة حكومية، قبل إخلاء سبيله بكفالة 5 آلاف جنيه.

وفي 7 ديسمبر الماضي، تم توقيف رئيس تحرير موقع «إيجبتك» الصحفي أحمد رفعت بسبب خبر بعنوان «دواجن فاسدة وملونة تغزو الأسواق»، بعد أسابيع من توقيف الصحفي إسلام الراجحي بجريدة «الأخبار» لانتقاده تراكم القمامة في قرية بمركز فارسكور بمحافظة دمياط.

 

الحقوقية هبة حسن، المديرة التنفيذية للتنسيقية المصرية للحقوق والحريات، تلخّص المشهد بقولها إن ما يحدث «متناسق تمامًا مع نمط تفكير النظام الأمني منذ 2013»، حيث توسعت القبضة من معارضي النظام سياسيًا إلى «أي مساحة من الحركة أو المواقف المعبرة عن الرفض أو حتى توجيه المجتمع».

تضيف أن السيدة في السويس تُرى كـ«معترضة»، والاعتراض نفسه ممنوع لأنه «يفتح عيون المجتمع ويمنح جرأة على الرفض»، مستشهدة بعبارة السيسي الشهيرة: «ما حصل في 2011 لن يتكرر».

 

أما لافتة «صلِّ على النبي»، فتراها هبة حسن مثالًا على خوف النظام من أي شخص «يمكنه أن يصنع حالة في الشارع حتى لو بمجرد كلمات ذكر»، لأن من يستطيع أن يجمع الناس على الصلاة على النبي اليوم، قد يقودهم غدًا للاعتراض على الظلم.

في بلد كهذا، يصبح الذكر والشكوى وجهين لعملة واحدة: كلاهما متهم حتى يثبت العكس.