بينما تتصاعد أسعار اللحوم والألبان وتتهدد موائد ملايين المصريين، اختارت النائبة مي كرم جبر أن تضع إصبعها على جرح مهمل منذ سنوات: لا توجد في مصر، حتى الآن، استراتيجية وطنية حقيقية لتنمية الثروة الحيوانية، بل مجرد ردود أفعال موسمية وقرارات قصيرة النفس، لا تحمي الأمن الغذائي ولا تُنصف المنتج الصغير أو المستهلك الفقير.

 

سؤالها الرسمي الموجّه إلى وزير الزراعة واستصلاح الأراضي لم يكن سؤالًا فنيًا بقدر ما كان اتهامًا مباشرًا لسياسة "اليوم بيومه" التي تدير بها الدولة واحدًا من أخطر ملفاتها: غذاء الناس.

 

إدارة موسم لا إدارة دولة

 

في سؤالها، انتقدت مي كرم جبر اعتماد وزارة الزراعة على ما وصفته عمليًا بـ"المسكنات"، أي تلك التدخلات الموسمية التي تنشط فقط قبل فترات الذروة، كرمضان أو الأعياد، عبر فتح باب الاستيراد أو طرح كميات محدودة من اللحوم في منافذ حكومية، ثم تعود الأمور إلى نقطة الصفر بعد انقضاء الحدث.

 

هذه المقاربة، كما تشير النائبة، لا تصنع أمنًا غذائيًا ولا تبني قطاعًا منتجًا؛ بل تخلق وهم السيطرة على الأزمة لبضعة أسابيع، بينما تتفاقم جذورها في الخلفية: مزارع صغيرة تنهار، مربون يخرجون من السوق، وتكلفة إنتاج ترتفع بلا سقف.

 

فبدلًا من أن تستغل الحكومة الأزمات المتكررة كفرصة لإعادة بناء المنظومة من أساسها، تم الاكتفاء بإطفاء الحرائق كلما اشتعلت، دون تشخيص دقيق للمشكلة أو مراجعة شاملة لسياسات الاستيراد والإنتاج والدعم.
ولأن الملف يُدار بعقلية "سد الحاجة القريبة"، فإن المستهلك لا يشعر باستقرار في الأسعار، والمربّي لا يشعر بضمان للاستمرار، والدولة نفسها تظل أسيرة رد الفعل، لا صانعة له.

 

سؤال النائبة يفتح بابًا محرجًا: كم مرة شهدت مصر أزمة لحوم أو ألبان أو أعلاف خلال السنوات الأخيرة؟ وكم مرة خرجت الوزارة بعدها لتعلن عن خطة استراتيجية متكاملة، لا مجرد تصريحات عابرة عن "العمل على تنمية الثروة الحيوانية"؟ الواقع يقول إن الحديث كثير، لكن النتائج على الأرض هزيلة.

 

أعلاف مستوردة وأمن غذائي رهينة للخارج

 

أخطر ما نبّهت إليه مي كرم جبر هو أن مصر لا تزال تستورد أكثر من ثمانين في المئة من مكونات الأعلاف، ما يعني أن ثروتها الحيوانية كلها تقريبًا قائمة على خامات لا تملك قرارها، بل ترتبط بسعر الدولار، وبأسواق الحبوب والزيوت والبروتينات عالميًا.

 

في كل مرة يرتفع فيها سعر طن الذرة أو فول الصويا أو إضافات الأعلاف في البورصات العالمية، يدفع المربّي المصري الفاتورة، ثم يحمّلها بدوره على المستهلك، في حلقة مفرغة لا تنكسر إلا بانهيار أحد الطرفين: إما خروج المنتج من السوق، أو عجز المواطن عن الشراء.

 

في هذا السياق، انتقدت النائبة إصرار الحكومة على معالجة نقص اللحوم عبر الاستيراد المباشر للحوم المذبوحة أو الحية "للاستهلاك السريع"، بدل أن توجه الجزء الأكبر من الجهود إلى استيراد رؤوس ماشية مخصصة للتربية والإنتاج طويل المدى، مع توفير بنية تحتية للأعلاف المحلية تضمن استدامة القطيع.

 

ففلسفة "سد الفجوة بالاستيراد" قد تُسكت السوق مؤقتًا، لكنها ترسّخ اعتمادًا خطيرًا على الخارج، وتمنع تكوّن قاعدة إنتاجية وطنية حقيقية.

 

السؤال الذي تطرحه كرم جبر ضمنيًا: لماذا لا تتحول ملفات الأعلاف والثروة الحيوانية إلى مشروع قومي حقيقي، يربط بين التوسع في زراعة محاصيل الأعلاف، وتشجيع الصناعات المرتبطة بها، وتقديم حوافز للمربين الصغار والمتوسطين، بدل تركهم يواجهون وحدهم تقلبات الأسعار العالمية؟

 

ما دامت مصر تستورد معظم غذاء حيواناتها، فإن الحديث عن "أمن غذائي" سيظل شعارًا أكثر منه واقعًا، وسيبقى المواطن فريسة لأي صدمة في الأسواق الدولية أو في سعر الصرف.

 

طب بيطري مهمّش وثروة مريضة

 

لم تكتف النائبة بانتقاد سياسات الأعلاف والاستيراد، بل فتحت أيضًا ملفًا لا يقل خطورة: الطب البيطري.

 

فالتقارير المتتابعة عن توقف تعيينات الأطباء البيطريين، وتدهور أوضاعهم الوظيفية، تعني ببساطة أن القطيع المصري – بشقيه الحكومي والخاص – يواجه المستقبل بظهر مكشوف، بلا حماية صحية كافية ولا منظومة رقابة فعّالة على الأمراض والأوبئة.

 

في سؤالها، حذرت مي كرم جبر من أن إهمال أوضاع الأطباء البيطريين يؤثر مباشرة على كفاءة الرعاية الصحية للماشية، وعلى قدرة الدولة على مواجهة الأمراض التي تلتهم الإنتاج وتكلف المربين والدولة خسائر فادحة.

 

فكل ضعف في البنية البيطرية يترجم في النهاية إلى نفوق أعلى، وتكاليف علاج أكبر، وتراجع في الإنتاجية، وارتفاع إضافي في الأسعار بالنسبة للمواطن.

 

النائبة لم تتحدث عن الطب البيطري كجزء تجميلي من المنظومة، بل كركن أساسي من أركان الأمن القومي الغذائي؛ فدولة لا تملك شبكة قوية من الأطباء البيطريين، المؤهلين والمدعومين، لا تستطيع حماية ثروتها الحيوانية أو منع انتقال الأمراض بين الحيوان والإنسان.

 

ومع ذلك، لا تزال أوضاعهم المهنية والمالية تعكس نظرة دونية لهذا القطاع، كأن الدولة قررت أن تعالج ملف اللحوم بلا أن تستثمر في من يحمي أساسها: صحة الحيوان.

 

من هنا جاء طلب النائبة الواضح لوزارة الزراعة: تقديم كشف حساب حقيقي عن خطتها للخروج من دائرة "الأزمات الطارئة" إلى مربع الإنتاج المستدام.

 

ما هي الآليات التشريعية والتنفيذية التي ستتبناها الحكومة لخفض فاتورة استيراد الأعلاف؟ ما هي خطتها لإعادة الاعتبار للطب البيطري، عبر التعيين والتدريب والتحفيز؟ وكيف ستضمن أن تنعكس هذه السياسات على توازن الأسعار وتوافر اللحوم بأسعار عادلة للمواطنين، بدل ترك السوق رهينة للمضاربات والصدف؟

 

في نهاية المطاف، سؤال مي كرم جبر ليس مجرد ورقة في سجلات مجلس النواب، بل اختبار سياسي وأخلاقي للحكومة كلها: هل ترى في الثروة الحيوانية ملفًا استراتيجيًا يتطلب رؤية وطنية شاملة، أم لا تزال تتعامل معه كرقم في جداول الاستيراد والتدخلات الموسمية؟

 

الإجابة لن تُكتب في رد الوزير فقط، بل في أسعار اللحوم على موائد المصريين، وفي قدرة المربّي الصغير على البقاء داخل السوق، وفي ما إذا كان هذا القطاع سيظل يعيش على "المسكنات"، أم يدخل أخيرًا غرفة العناية الاستراتيجية.