في غضون سنوات قليلة، تحوّل قطاع النسيج التركي من «قصة نجاح وطنية» إلى ملف نزيف مفتوح: مصانع تُغلق، عمال يُسرَّحون، وخطوط إنتاج كاملة تُحمَل من الأناضول إلى وادي النيل.

ما يجري ليس مجرد «إعادة تموضع استثماري»، بل إعادة رسم لخريطة القيمة المضافة: تركيا تُصدّر المصانع والخبرة، ومصر تستورد الآلات والمال… ومعهما نموذجًا متوحشًا من استغلال العمالة الرخيصة، يقوم على ضغط الأجور وبيع ميزة «رخص الإنسان» كحافز استثماري.

 

وسط هذا المشهد، يبدو أن صناعة النسيج لم تعد تُدار بمنطق دعم الصناعة المحلية – لا في أنقرة ولا في القاهرة – بل بمنطق السباق إلى القاع: من يخفض التكلفة أكثر؟ من يقدّم كهرباء أرخص وضرائب أقل وأجورًا أدنى؟ ومن يقبل، في النهاية، أن يكون مجرد منصة إنتاج خارجية لشركات عابرة للحدود تبحث عن أعلى هامش ربح بأقل كلفة اجتماعية ممكنة؟

 

تكاليف تخنق إسطنبول… وعرق يُستثمَر في القاهرة

 

خلال الأعوام الثلاثة الماضية، واجهت مصانع النسيج في تركيا خليطًا سامًا من ارتفاع الأجور، وزيادة أسعار الطاقة والمواد الخام، وتقلبات سعر الليرة.

تقارير غرف الصناعة التركية تشير إلى أن تكلفة الإنتاج في تركيا أصبحت بين أربعة وخمسة أضعاف نظيرتها في مصر، وفق بيانات وزارة الاقتصاد التركية الموزعة في اجتماع غرفة التجارة والصناعة في مارس 2025.

 

رواتب العمال ارتفعت بالليرة، لكنها لم تُترجَم إلى قفزة حقيقية في الإنتاجية، في حين أن فاتورة الطاقة والخامات المستوردة بالدولار التهمت هوامش الربح، ووضعَت المصنّعين أمام خيارين أحلاهما مُرّ: إما الإغلاق، وإما الرحيل.

 

في المقابل، كانت القاهرة تفتح ذراعيها: حد أدنى للأجور لا يتجاوز نحو 180 دولارًا مقابل 800 دولار في تركيا، كما قال علاء عز، الأمين العام لاتحاد الغرف المصرية–الأوروبية، في مداخلة مع برنامج «على مسئوليتي» على قناة «صدى البلد».

الفارق ليس رقمًا فقط، بل رسالة سياسية صريحة: مصر تُعرِّف نفسها للمستثمر التركي بوصفها سوقًا لعمالة رخيصة ومنضبطة، يمكن تشغيلها لساعات طويلة بكلفة متدنية، تحت غطاء من حوافز ضريبية واتفاقيات تجارية مغرية.

 

هكذا، لم يعد السؤال عند كثير من الشركات التركية: كيف نحافظ على الإنتاج داخل تركيا؟ بل: كيف ننقل نفس الإنتاج إلى مصر بأقل تكلفة وأقل صداع اجتماعي؟

النتيجة: مصر تربح استثمارات، وتركيا تفقد مصانع، والضغط الحقيقي يقع على طرفين لا صوت لهما؛ العامل التركي الذي خسر وظيفته، والعامل المصري الذي يدخل نفس خط الإنتاج بأجر أقل، وضمانات أضعف، وتحت راية «الاستثمار الأجنبي الناجح».

 

من رائد عالمي إلى مُصدِّر للوظائف: النسيج التركي يهاجر جنوبًا

 

كانت تركيا لعقود أحد أعمدة سوق النسيج في أوروبا والولايات المتحدة؛ صادرات القطاع وصلت إلى نحو 10.5 مليارات دولار في 2021، قبل أن تتراجع إلى حوالي 9.49 مليارات دولار في 2024، مع توقعات بمزيد من الهبوط في 2025، بحسب بيانات مجلس المصدرين الأتراك (TIM).

في الخلفية، منافسة شرسة من الصين وبنغلاديش وفيتنام، التي تبيع أرخص، وتغزو رفوف المتاجر العالمية بمنتجات منخفضة التكلفة.

 

أمام هذه المعادلة، اختارت عشرات الشركات التركية ألا تخوض المعركة من إسطنبول وبورصة وغازي عنتاب، بل من العاشر من رمضان والسادات ومنطقة قناة السويس الاقتصادية.

بحلول نهاية 2025، تشير أرقام المجلس المصري–التركي للأعمال والاستثمار إلى أن أكثر من 200 مصنع تركي باتت تعمل في مصر في النسيج والملابس الجاهزة، بينها أسماء ثقيلة: Yesim Group، Tay Group، Eroğlu Giyim، Çalık Holding، LC Waikiki، Diktaş وغيرها، التي أعلنت توسيع خطوط إنتاجها في مصر بين 2024 و2026.

 

القصة ليست توسعًا «من فوق»، بل إعادة توزيع عميقة لخريطة الصناعة.

شركة «كولينز» التابعة لمجموعة إروغلو أعلنت في أواخر 2025 إغلاق مصنعها في ولاية أكسراي التركية، ونقل خطوط إنتاجه إلى مصر، تاركة خلفها نحو 1500 عامل بلا عمل.

شركة KCG Textile أعلنت استثمارًا إضافيًا بقيمة 24 مليون دولار في مصنعها في مصر خلال 2025، في مؤشر واضح على أن مصر لم تعد مجرد سوق تكميلية، بل بديلًا فعليًا لمواقع الإنتاج داخل تركيا.

 

الأرقام التجارية نفسها تعكس هذا التحول: حجم التجارة النسيجية بين البلدين سجّل في 2025 عجزًا يقارب 200 مليون دولار لصالح مصر، مع زيادة واردات تركيا من منتجات نسيج مصنَّعة داخل مصر.

بمعنى آخر: تركيا التي كانت تصدّر الأقمشة والملابس الجاهزة إلى مصر، بدأت تستورد منها ما كانت تنتجه في السابق داخل حدودها.

 

مصر تربح المصانع… وتدخل سباق «من الأرخص» بلا رؤية اجتماعية

 

على الورق، تبدو الحكاية «قصة نجاح» لمصر: استثمارات تركية تتجاوز 22 مليار دولار محتملة، وخطط لجذب 15 مليار دولار استثمارات جديدة حتى نهاية 2026، و200 مصنع نسيج يعمل، وآلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة.

لكن السؤال الذي يتجاهله الخطاب الرسمي: بأي ثمن اجتماعي واقتصادي يتحقق هذا المكسب؟

 

مصر تُقدَّم اليوم في العواصم الصناعية بوصفها منصة إنتاج تنافس دول جنوب شرق آسيا: عمالة بأجور منخفضة، اتفاقيات تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة (مثل مناطق QIZ)، مناطق صناعية جاهزة في العاشر من رمضان والسادات وقناة السويس، ومناخ سياسي لا يسمح بنقابات مستقلة قوية أو إضرابات واسعة تهدد سلاسل الإنتاج.

 

هذا الخليط مثالي للمستثمر الباحث عن «هدوء اجتماعي» وهامش ربح أعلى، لكنه يحمل في الوقت ذاته بذور هشاشة خطيرة لاقتصاد يعيش على تصدير جهده البشري بأرخص ثمن.

 

فكل مصنع نسيج تركي يُنقل إلى مصر من دون التزام حقيقي برفع الأجور، أو نقل التكنولوجيا، أو بناء سلاسل قيمة محلية، يعني أن البلاد تتحول أكثر فأكثر إلى سوق عمل مؤقت، لا إلى قاعدة صناعية سيادية.

وكل مرة يخرج فيها مسؤول اقتصادي مصري ليتباهى بأن العامل التركي يتقاضى 800 دولار مقابل 180 فقط للعامل المصري، كما فعل علاء عز، فهو عمليًا يعلن للعالم أن ميزة مصر التنافسية ليست في مهارة العامل أو تطور التكنولوجيا، بل في رخص الإنسان نفسه.

 

في تركيا، تُطرح اليوم أسئلة صعبة حول مستقبل الصناعة الوطنية: هل تقبل البلاد بأن تتحول إلى مركز للتصميم والعلامات التجارية فقط، بينما تُنقل الوظائف الإنتاجية إلى الخارج؟

وفي مصر، لا تُطرح الأسئلة بصوت عالٍ: ماذا سيحدث إذا تغيّرت معادلات التكلفة العالمية؟ أو قررت الشركات نفسها نقل خطوط إنتاجها مرة أخرى إلى بلد أرخص؟ وأين يقف العامل المصري وسط لعبة الشد والجذب هذه، بين أنقرة والقاهرة، وبين غرف التجارة وصناديق الاستثمار؟

 

ما يجري في قطاع النسيج التركي–المصري ليس مجرد قصة استثمار عابر للحدود، بل جزء من سباق عالمي على «من يبيع عمل عماله بأقل سعر».

إذا لم تُحوِّل مصر استثمارات النسيج الوافدة إلى فرصة لبناء صناعة حقيقية بأجور عادلة وحماية اجتماعية، وإذا لم تُجب تركيا عن سؤال كيف تحمي قاعدتها الإنتاجية دون أن تلقي بالعمال على أرصفة البطالة، فإن الطرفين معًا سيكونان مجرد لاعبين في لعبة يربحها في النهاية من يملك رأس المال وحده… لا من ينسج القماش أو يحمل على كتفيه مصانع تنتقل من بلد لآخر كما تنتقل البضاعة في حاويات الشحن.