تحوّل الاعتداء على الأطباء من حوادث فردية عابرة إلى ظاهرة متكررة تكشف خللًا بنيويًا في علاقة الدولة بمقدمي الخدمة الصحية. فبعد واقعة الاعتداء على طبيب مستشفى الباجور بالمنوفية، خرج نقيب الأطباء الدكتور أسامة عبد الحي ليعلن بصراحة نادرة أن الدولة «غير قادرة حتى الآن على وقف ظاهرة الاعتداء على الأطقم الطبية»، واصفًا ما يجري بأنه «سُبة في حق الجميع»، في إدانة لا تطال المعتدين وحدهم، بل منظومة كاملة عجزت عن توفير أبسط قواعد الأمان لمن يُفترض أنهم خط الدفاع الأول عن حياة المواطنين.

 

تصريحات النقيب لم تأتِ من فراغ، بل على خلفية فيديو صادم لطبيب عظام في مستشفى الباجور يعمل وحده تقريبًا في الاستقبال والقسم الداخلي والعناية المركزة، قبل أن يتعرض للضرب المبرح لمجرد أنه حاول التوفيق بين حالة حرجة في الرعاية ومريض في الاستقبال، في مشهد يلخص كيف تُدار الخدمة الصحية تحت ضغط العجز العددي والاعتداءات المتكررة معًا.

 

نقيب الأطباء: دولة بلا ردع تترك أطبّاءها في مواجهة «بلطجة مجانية»

 

الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء ورئيس اتحاد المهن الطبية، لم يكتفِ بوصف ما يجري بأنه سُبة، بل قدّم مقارنة فاضحة بين ما يحدث في مصر وما هو معمول به في دول مجاورة. في السعودية تصل عقوبة الاعتداء على طبيب أثناء عمله إلى غرامة تبلغ مليون ريال مع الحبس لمدة عام، وفي الكويت إلى الحبس 3 سنوات، وهو ما جعل الظاهرة هناك استثناءً نادرًا لا قاعدة يومية.

 

في المقابل، ورغم صدور قانون المسؤولية الطبية الذي نص لأول مرة على تجريم الاعتداء على الأطباء والعاملين بالمنشآت الصحية، ما تزال الوقائع في أغلب الأحيان تُقيد باعتبارها «مشاجرة» بين طرفين، وتنتهي في كثير من الأحيان بتصالح قسري تحت ضغط التهديد أو الخوف من الانتقام، كما تشير شكاوى متكررة من الأطباء، وهو ما يفرغ النصوص القانونية من أي معنى رادع ويحوّلها إلى ديكور تشريعي لا أكثر.

 

رسالة النقيب واضحة: حين تغيب العقوبات الرادعة، وحين لا يشعر المعتدي أن الدولة ستعامله كبلطجي يعتدي على منشأة حيوية، تتحول المستشفيات إلى ساحات مفتوحة للعنف والانفلات، ويدفع الطبيب ثمنًا مضاعفًا؛ إهانة لكرامته وتهديدًا لسلامته، ثم اتهامًا قانونيًا إذا حاول الدفاع عن نفسه.

 

أبو بكر القاضي: الطريق إلى «تصحّر طبي» مفتوح.. والمريض هو الخاسر الأول

 

أمين عام نقابة الأطباء الدكتور أبو بكر القاضي حذّر بدوره من استمرار هذه الظاهرة، مؤكدًا أن عدم سن قانون رادع وتطبيقه بالفعل—not فقط على الورق—سيؤدي إلى «تصحر طبي» في مصر، في إشارة إلى نزيف هجرة الأطباء وتراجع جاذبية العمل في المستشفيات الحكومية.

 

القاضي استشهد تحديدًا بواقعة طبيب الباجور الذي ظهر في الفيديو وهو يناظر 4 حالات في وقت واحد، باعتباره النموذج الكاشف: طبيب يتقاضى راتبًا لا يتجاوز نحو 7000 جنيه، يعمل منفردًا في «نبطشية» تمتد لساعات طويلة، من الاستقبال إلى القسم الداخلي حتى العناية المركزة، ثم يُكافَأ في النهاية بالضرب وكسر الأنف وسط غياب تام لتأمين المستشفى.

 

من زاوية أخرى، يربط القاضي بين ظاهرة الاعتداءات وبين سياسات قبول الطلاب في كليات الطب بلا معايير كافية، محذرًا من أن فتح الباب لقبول طلاب بمجاميع 50% و60% دون بنية تدريبية ملائمة ومستشفيات تعليمية كافية، يعني إنتاج أطباء غير مؤهلين، ويضر بسمعة الطب المصري ويضاعف من مخاوف المجتمع من انهيار المنظومة الصحية نفسها.

 

بهذا المعنى، يصبح الاعتداء على الطبيب في المستشفى ليس مجرد جريمة فردية، بل حلقة في سلسلة تقود إلى نتيجة واحدة: منظومة صحية طاردة للكفاءات، ومريض بلا طبيب كفء أو آمن، ودولة تتفرج على واحدة من أخطر الهجرات المهنية في تاريخها الحديث.

 

الطاهر وحسين: الاعتداء جريمة ضد المجتمع لا يجوز التصالح فيها

 

عضو مجلس نقابة الأطباء الدكتور إيهاب الطاهر يضع إصبعه على الجرح القانوني مباشرة. فالرجل يكرر منذ سنوات أن الاعتداء على الأطباء والمنشآت الطبية لا يجوز أن يعامل كـ«خناقة» عابرة تنتهي بتنازل أو جلسة صلح، بل يجب أن يُصنف كجريمة ضد المجتمع لا يجوز التصالح فيها.

 

الطاهر يستشهد بحوادث سابقة، منها واقعة طبيب المنصورة الذي حاول إنقاذ مريضة في حالة حرجة، فهاجمه أهلها وحطموا أجهزة وأثاث المركز الطبي، وأصيب بجروح استدعت نحو 60 غرزة، ثم تعرض لضغوط وتهديدات للتنازل عن البلاغ. بالنسبة له، هذا نموذج لـ«بلطجة مكتملة الأركان» تهدد هيبة القانون، وتُشجع على تكرار الجريمة مع كل طبيب يجد نفسه وحيدًا في مواجهة غضب عائلة مكلومة أو معتدين مسلحين.

 

من جانبه، يؤكد الدكتور أحمد حسين، عضو مجلس النقابة، أن الأطباء ينتظرون تدخلًا حقيقيًا من السلطات—not بيانات تعاطف—لضمان حماية الطبيب وأسرته وتطبيق أقصى عقوبة على المعتدين. فهو يرى أن ما يجري من استعراض قوة واستخدام أسلحة بيضاء وتهديد أسر الأطباء وتهجيرهم من منازلهم، «طعنات في هيبة الدولة» لا تقل خطورة عن كونها اعتداءً على طبيب أثناء عمله. إذا تُركت هذه الوقائع لتُسوّى بالتصالح أو الضغط، فإن الرسالة التي تصل للمجتمع أن من يملك القوة والسلاح والسطوة قادر على الإفلات من العقاب.

 

حسين وإيمان سلامة، عضوة مجلس النقابة التي شددت على ضرورة تفعيل قرار إلزام المستشفيات بكاميرات مراقبة، يربطان بين الردع القانوني والإجراءات العملية داخل المستشفيات: تأمين فعلي، تسجيل مرئي لكل ما يحدث، وتعامل سريع مع أي اعتداء بوصفه جريمة عامة، لا قضية «خلاف شخصي» بين طبيب ومرافق مريض.

 

في المحصلة، تكشف واقعة طبيب الباجور وما تبعها من تصريحات نقابية متواترة أن المشكلة لم تعد في «سلوكيات أفراد»، بل في منظومة كاملة تترك الطبيب أعزل أمام الغضب والعنف، ثم تطلب منه أن يبقى هادئًا ومخلصًا في عمله. النقابة ترفع الصوت اليوم، لكن السؤال يبقى معلّقًا في الهواء: هل تتحرك الدولة لتجعل المستشفى حرَمًا آمنًا كالمدرسة والجامعة ودور العبادة، أم تواصل ترك الأطباء يواجهون مصيرهم وحدهم، إلى أن يتحقق فعليًا ما حذر منه قادة النقابة: «تصحّر طبي» لا يجد فيه المريض طبيبًا يجرؤ أصلًا على البقاء في مصر؟