لا يعود انقطاع المياه عن بعض العقارات في أحياء مصر اليوم إلى أعطال فنية أو تأخير في الصيانة فقط، بل إلى ظاهرة جديدة تتسع بصمت: سرقة عدادات المياه من أمام المنازل وداخل مداخل العمارات، لتتحول إلى خردة تباع من أجل النحاس، في سوق موازٍ يزدهر على حافة الفقر والفوضى.
مواطنون في مناطق مختلفة يشكون من استيقاظهم على اختفاء عدادات المياه بالكامل، أو تكسيرها وسرقة الأجزاء النحاسية منها، قبل أن يكتشفوا أن عليهم دفع ثمن عداد جديد، وتحمل إجراءات بيروقراطية معقدة، بينما يبقى اللصوص مجهولين، والدافع الاقتصادي معروفًا: الفقر، والبطالة، وغياب الردع.
انتشار هذه الجرائم الصغيرة ظاهريًا ليس مجرد قصة يومية عابرة.
هو مؤشر إضافي على مجتمع يجري دفعه إلى حافة الانهيار الاجتماعي، بفعل سياسات اقتصادية أفقرت الناس، وتركت الأمن منشغلاً بحماية النظام لا حماية حياة المواطنين وممتلكاتهم.
سرقة منظمة.. عدادات تتحول إلى خردة
شكاوى السكان تتكرر بصيغ متشابهة: عصابات صغيرة تتحرك ليلًا أو فجراً، تستهدف عدادات مياه متجاورة في أكثر من عقار، وتعمل بسرعة ودقة واضحة، ما يشير إلى خبرة ومعرفة بنوع المعدن والقيمة التي يمكن الحصول عليها من بيعه.
في كثير من الحالات، لا تُسرق العدادات كاملة فقط، بل تُكسَر التوصيلات، وتُترك أماكنها مغمورة بالمياه أو مكشوفة، ما يضاعف الضرر على سكان العقار.
ينقطع ضخ المياه تمامًا، وتتسرب الكميات المتبقية إلى المداخل والشوارع، في مشهد يضيف إهدارًا جديدًا لمورد تعاني الدولة من ندرة حقيقية فيه.
ما يجذب هذه العصابات ليس جسم العداد البلاستيكي، بل الأجزاء المعدنية والنحاسية التي يعاد بيعها لتجار الخردة. ومع ارتفاع أسعار المعادن، تصبح كل قطعة نحاس، مهما كانت صغيرة، وسيلة للحصول على مبلغ يسد رمق يوم أو يومين.
أهالي المناطق المتضررة يتحدثون عن غياب دوريات حقيقية، وعن محاضر تقيّد ضد مجهول، وعن نصيحة ثابتة يسمعونها من الموظفين: “هات عداد جديد على حسابك، وبعدين نشوف”. النتيجة أن المواطن يتحمل كلفة جريمة لم يرتكبها، بينما تظل حلقات السوق السوداء محمية بصمت أو عجز.
فقر متصاعد وشرطة بعيدة عن الناس
انتشار سرقة عدادات المياه ليس معزولًا عن موجات الغلاء والانهيار المعيشي التي تضرب مصر منذ سنوات.
ارتفاع الأسعار، تآكل الأجور، اتساع البطالة، وتراجع أي شبكة حماية اجتماعية فعالة، دفعت شرائح واسعة إلى حافة اليأس. في هذا المناخ، تتوسع “السرقات الصغيرة” بحثًا عن أي مورد سريع.
عندما يضطر شخص إلى سرقة عداد مياه أو كابلات أو أغطية بالوعات لبيعها خردة، فهذا يعكس مستوى الاختناق الاقتصادي الذي وصل إليه المجتمع، ويعكس أيضًا غياب ردع حقيقي، لأن العقوبة إذا حدثت تكون فردية، بينما الأسباب البنيوية للفقر تظل بلا معالجة.
الأخطر أن الأولويات الأمنية في ظل حكم قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي ابتعدت عن حماية الحياة اليومية للمواطن، واقتربت أكثر من مراقبة المجال السياسي وقمع المعارضة وتأمين النظام.
تُسخَّر الموارد لملفات “الأمن السياسي”، بينما تترك أحياء كاملة لسطوة عصابات صغيرة تتنوع جرائمها من سرقة العدادات إلى سرقة الكابلات والتعدي على المرافق العامة.
هذا الانفصال بين ما يحتاجه الناس فعلاً وما تنشغل به أجهزة الدولة يخلق شعورًا عامًّا بالهجر.
المواطن لا يرى شرطة تمنع عنه هذه السرقات، ولا قضاءً سريعًا يعيد له حقه، ولا حكومة تقدّم تفسيرًا منطقيًّا لما يحدث، بل يسمع فقط خطابًا عامًا عن “التكاتف” و”الصمود” و”الظروف الصعبة”، وكأن الفقر قدر منزّل لا نتيجة سياسات خاطئة.
فاتورة الفوضى يدفعها المواطن وحده
كل عداد مياه يُسرق يعني أسرة أو أكثر بلا مياه لأيام أو أسابيع، إلى أن تمر الدورة الكاملة للإبلاغ، والمعاينة، ودفع الرسوم، وتركيب العداد الجديد.
في هذه الفترة، يضطر السكان إلى شراء مياه أو نقلها بطرق بدائية، أو الاعتماد على جيران أقل تضررًا، في بلد يتحدث رسميًّا عن “الجمهورية الجديدة” بينما يعجز عن تأمين عداد مياه عند باب منزل.
العبء المالي يضاعف الألم. العداد الجديد لا يأتي مجانًا، بل بنفقات يتحملها المواطن من أمواله الخاصة، بالإضافة إلى رسوم التركيب وربما الغرامات إذا اعتبرت الشركة أن هناك “تقصيرًا” في تأمين مكان العداد، رغم أن تأمين الشارع والحي مسؤولية الدولة أولًا.
في المقابل، لا تعلن الحكومة عن خطة واضحة لمواجهة هذه الظاهرة. لا توجد حملات معلنة لضبط عصابات عدادات المياه، ولا تغيير في نمط تركيب العدادات بما يجعل سرقتها أصعب، ولا نظام تأمين أو تعويض يقلل الكلفة على الضحايا.
ما يراه الناس عمليًّا هو استمرار دولة تنفق المليارات على مشروعات استعراضية، وقصور، وطرق ضخمة تخدم مناطق بعينها، بينما تضعف أبسط حلقات الأمان في حياة المواطن اليومية: عداد مياه، غطاء مصرف، كابل إنارة. كل هذه التفاصيل تتحول إلى أهداف في سوق الفقر والسرقة.
هذه الجرائم ليست مجرد حوادث جنائية متفرقة. هي نتيجة مباشرة لسياسات عمّقت الفوارق الطبقية، وأفقدت العمل الشريف قيمته، وفتحت الباب أمام اقتصاد ظل واسع، يتاجر في كل شيء، من العملة إلى خردة النحاس المقتلع من على حوائط بيوت الفقراء.
في بلد تُترك فيه عدادات المياه لرحمة عصابات الخردة، ويُترك فيه المواطن ليتحمل وحده كلفة الفوضى، يصبح الحديث عن “استقرار” و”أمن” و”تنمية” مجرد شعارات فارغة.
الأمن الحقيقي يبدأ من حماية حق الناس في مياه لا تُقطع بسرقة عداد، وفي دولة لا تسمح للفقر بأن يتحول إلى مبرر يومي لنهب ما تبقى من ممتلكاتهم العامة والخاصة، بينما يواصل من في القمة سياساتهم التي صنعت هذا الفقر من الأساس.

