يتحوّل ما يسمى بـ«جهاز مستقبل مصر» إلى واحدة من أخطر أدوات الحكم في عهد عبد الفتاح السيسي؛ كيان ضخم يتحكم في أراضٍ شاسعة، ومشروعات زراعية وصناعية وتموينية، دون أن يكون له وجود قانوني واضح، أو سند دستوري معلن، أو أي شكل جاد من أشكال الرقابة والمحاسبة.
قرار تأسيس الجهاز لم يُنشر في الجريدة الرسمية، وهو ما يعني عمليًا أن المصريين لا يعرفون: من أنشأ هذا الكيان؟ وبأي قانون؟ وما هي حدود اختصاصاته؟ ومن يحاسبه؟ في المقابل، يتصرف الجهاز كما لو كان «طابونة» خاصة لرأس السلطة، يجمع فيها المال والأصول والسلطة التنفيذية، بعيدًا عن الوزارة المالية، وبعيدًا عن أعين الأجهزة الرقابية والبرلمان والرأي العام.
في ظل هذا الغموض، جرى تفريغ وزارات كاملة من مضمونها؛ الزراعة، التموين، الصناعة، الدواء، وغيرها من الهيئات التي فقدت دورها لصالح جهاز واحد، لا نعرف عن ميزانيته شيئًا، ولا عن حجم ما يملكه من أراضٍ ومعدات وعقود.
كيان بلا إعلان.. مخالفة صريحة لقاعدة النشر في الجريدة الرسمية
الدستور والقانون في أي دولة حديثة يقومان على قاعدة بسيطة: لا وجود لقرار أو كيان ملزم ما لم يُنشر في الجريدة الرسمية ويُتاح للناس الاطلاع عليه. هذه القاعدة ليست تفصيلاً شكليًا، بل ضمانة أساسية للشفافية، ولحق المواطنين في معرفة من يحكمهم وكيف تُدار أموالهم ومواردهم.
في حالة «جهاز مستقبل مصر»، لم يُنشر قرار تأسيسه في الجريدة الرسمية، بحسب ما يؤكد قانونيون ومتابعون، ما يضعه في منطقة رمادية بين «الهيئة» و«الشركة» و«الجهاز»، بلا تعريف دقيق. لا رقم قانون، ولا مادة تأسيس، ولا حتى تاريخ واضح يحدد بداية عمله وحدود صلاحياته.
هذا الغياب المتعمّد للإعلان يخلق وضعًا شاذًا؛ فالمصري الذي يمكنه أن يطّلع على قرار تعيين موظف صغير أو لائحة تنظيم حي محلي، لا يملك الحق نفسه في معرفة الإطار القانوني لكيان يتحكم في مليارات الجنيهات ومساحات واسعة من الأراضي، ويتدخل في قوت يومه، من رغيف الخبز إلى طبق الخضار.
إن عدم نشر قرار التأسيس ليس مجرد سهو إداري، بل انتهاك مباشر لفلسفة الدستور التي تشترط علانية القوانين والقرارات العامة. وما لم يُصحَّح هذا الوضع، يبقى «جهاز مستقبل مصر» أقرب إلى كيان فوق القانون، لا يربطه بالمواطن إلا ما يسمعه عن مشروعات يحملها اسمه في الإعلام الرسمي.
أموال لا تمر على الخزانة.. وسلطة لا تعرف المحاسبة
الخطر الأكبر في «جهاز مستقبل مصر» أنه، وفق ما يتداوله متخصصون، لا يخضع لأي رقابة محاسبية أو قانونية أو مالية حقيقية، ولا يورد إيراداته إلى وزارة المالية، ولا يدخل ما يجمعه من أموال ضمن الموازنة العامة للدولة.
بكلمات أخرى، نحن أمام «صندوق أسود» يحمل اسمًا رسمياً، لكنه يعمل كخزينة موازية، لا تُعرض ميزانيتها على البرلمان، ولا تظهر بنودها في الحساب الختامي، ولا يعرف المواطن كم أنفقت وكم ربحت، ومن المستفيد الفعلي من هذه الأرباح.
في الوقت نفسه، يمتلك الجهاز كل مزايا الجهة الحكومية؛ أرض تُخصَّص له بلا مناقصات معلنة، ومعدات تُستورد باسمه، وقرار تنفيذي يفرضه على الوزارات والهيئات المدنية. لكنه متحرر من أهم ما يقيّد أي جهة رسمية: الرقابة. لا الجهاز المركزي للمحاسبات، ولا مجلس النواب، ولا النيابة الإدارية، يظهر لهم دور حقيقي في مراجعة ما يجري داخل هذه «الطابونة».
عندما تُدار مليارات الجنيهات خارج وزارة المالية، يصبح الحديث عن «موازنة عامة» مجرد نصف حقيقة. فجزء معتبر من المال العام يتحرك في منطقة مظلمة، لا أحد يعرف من يتخذ فيها القرارات، ولا على أي أساس، ولا لصالح من.
ابتلاع أدوار الوزارات.. دولة تتحول إلى مقاول عند جهاز واحد
على مستوى الاختصاصات، تمدّد «جهاز مستقبل مصر» حتى أصبح عمليًا بديلاً عن عدد من الوزارات السيادية والخدمية.
مشروعات الزراعة الكبرى، التي يفترض أن تكون مسؤولية وزارة الزراعة، تخرج من تحت يدها لصالح الجهاز.
ملف السلع الغذائية الإستراتيجية، الذي يفترض أن تديره وزارة التموين وهيئاتها، بات مرتبطًا بما يقرره الجهاز من زراعات وتوريدات.
في الصناعة، تُنسب للجهاز مشروعات ومجمعات إنتاجية، بينما تتضاءل أدوار الوزارات المدنية المعنية.
وفي الدواء، تتداخل قراراته مع اختصاصات هيئات من المفترض أنها مستقلة تنظم سوق الدواء والإنتاج والتسعير.
بهذا التمدد، لا تعود الدولة شبكة مؤسسات متوازنة، لكل منها دور وحدود وصلاحيات ومسؤولية أمام القانون، بل تتحول إلى مقاول كبير ينفّذ ما يقرره جهاز واحد. الوزير المدني يُستدعى ليلبس خوذة في موقع المشروع، ويلتقط صورة، ثم يعود إلى مكتبه المجرّد من القرار، بينما يظل مركز القوة الحقيقي في يد من يدير «مستقبل مصر».
هذا النموذج يضرب في الصميم فكرة الإدارة الصحية للاقتصاد.
فالسياسة الزراعية يجب أن تُبنى على دراسات علمية ومشاركة خبراء وباحثين، لا على قرار يصدر في مكتب مغلق.
وسياسة التموين تحتاج إلى توازن بين المنتج والمستهلك، لا إلى استعراضات أمام الكاميرات في «مشروع قومي» جديد.
عندما يُلغى عمليًا دور الوزارات، يفقد المواطن آخر خيوط المحاسبة؛
فلا يستطيع أن يحاسب وزيرًا على فشل ملف الزراعة أو التموين أو الصناعة، لأنه ببساطة لم يعد صاحب القرار.
لهذا يبدو «جهاز مستقبل مصر» تجسيدًا لفكرة الدولة الموازية؛ دولة داخل الدولة، تجمع المال والأرض والقرار، دون أن تتحمل مسؤولية علنية أمام أحد.
في النهاية، السؤال الذي يفرض نفسه:
أي مستقبل يمكن أن يكون لمصر، إذا كان جهاز يحمل اسم «المستقبل» يعمل خارج الدستور، وخارج الرقابة، وخارج الموازنة، ويبتلع أدوار الوزارات واحدة تلو الأخرى؟
وأي معنى يتبقى لمفهوم الدولة، إذا تحولت إلى طابونة خاصة، يوزِّع صاحبها أرزاق الناس كما يشاء، دون شفافية أو محاسبة أو قانون؟

