تجدد الجدل في الأيام الأخيرة حول الدور الذي تلعبه الإمارات العربية المتحدة في تمويل إعلاميين ومؤثرين وصناع محتوى في مصر، بعد اعترافات علنية من اليوتيوبر المصري محمد قنديل بتلقي أموال من جهات إماراتية، مقابل محتوى هجومي على الثورة وجماعة الإخوان المسلمين وأطراف عربية أخرى.

 

الخلاف الذي خرج إلى العلن بين قنديل وبعض من يُقال إنهم مشغّلوه السابقون، أعاد إلى الواجهة ما تداوله معارضون لسنوات عن “شبكات تمويل” تستهدف تشكيل الخطاب الإعلامي المصري، والطعن في الثورة، وتشويه الإسلاميين، ومهاجمة دول بعينها، مع حضور خاص لملف السعودية والجيش السوداني وحركة حماس.

 

 

اعترافات قنديل.. من الدفاع عن الخط إلى فضح الممول

 

النقطة المفصلية كانت خروج قنديل في تسجيلات وتصريحات يتحدث فيها عن طبيعة الدعم الذي تلقاه من أطراف إماراتية، قائلًا إن الهدف كان توظيف محتوى صناع القنوات في حملات إعلامية موجهة، بينها هجوم على السعودية وإثارة توتر بين الشعوب.

 

أحد المقاطع المتداولة التي توثّق جانبًا من هذه الاعترافات يظهر في هذا الرابط:


 

 

قنديل يقول إنه لم يكن يعلم – بحسب روايته – أن ما يجري جزء من “مشروع إسرائيلي” لإضعاف الدول العربية، ويقدّم نفسه اليوم باعتباره كشف اللعبة ورفض الاستمرار فيها.

 

أهمية هذه التصريحات لا تأتي فقط من مضمونها، بل من شخصية قائلها؛ إذ إن قنديل كان يُقدَّم في الخطاب الإعلامي الموالي للسلطة بوصفه “باحثًا مصريًا متخصصًا في شئون الإسلام السياسي والجماعات المتطرفة”، أي جزءًا من ماكينة الدعاية التي عملت لسنوات على مهاجمة الثورة والخصوم السياسيين، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين.

 

خصومه وصفوه في النصوص المتداولة بأنه “خبير بير سلم المتحدة”، في إشارة ساخرة إلى ضعف القيمة العلمية، وإلى توظيف هذه الصفات البحثية في إطار الحرب التي تخوضها أبوظبي على خصومها في المنطقة، وعلى رأسهم معارضو محمد بن زايد.

 

سجال على منصة إكس.. أرقام بالدولار وتخوين متبادل

 

منصة إكس تحولت إلى ساحة سجال علني حول هذه القضية.

 

حساب “كونكس” @palotker رأى أن ما يفعله قنديل “مكس ثعلب مع حرباء متلونه”، واعتبر أن الضجة التي أثارها ليست سوى “زوبعة إعلامية” للتغطية على زيارة عبد الفتاح السيسي إلى أبوظبي، وتهيئة رواية عن خصومة إعلامية بين مصر والإمارات:

 

 

حساب “اللجنة” نقل ما وصفه بـ“اعترافات مثيرة”، مشيرًا إلى أن قنديل قال إنه ضحّى بـ 75 ألف دولار من أصل 100 ألف خُصصت لإطلاق قناة “عرب بلس” لصالح ممولين إماراتيين، وهو ما اعتبره بعض المعلقين دليلاً على تحوّل “الذباب الإلكتروني” إلى مرتزقة يعملون تحت الطلب.

 

التعليقات الشعبية لم تخلُ من شماتة أو لغة قاسية؛ حساب @sherine412 كتب مخاطبًا قنديل:

 

 

وفي خيط آخر، أشار عمرو عبد الهادي @amrelhady4000 إلى أن اللجان التابعة للسيسي، التي أدارت قنوات على يوتيوب وروّجت لها صفحات محسوبة على المخابرات العامة بوصفهم “صقور المخابرات”، تبيّن – بحسب كلامه – أنهم ممولون من الإمارات، وأن أحدهم أقرّ باستعداده للاعتراف بما تقاضاه، وكانت آخر دفعة 25 ألف دولار:
 

 

الصحفي سامي كمال الدين @samykamaleldeen ركّز على صفحة “صقور المخابرات المصرية” الموثقة على فيسبوك، التي يتابعها مئات الآلاف، وقال إنها قدّمت هؤلاء اليوتيوبرز بوصفهم “صوت الحق الذي يشكل وعي الشعب ويحمي مصر”، قبل أن يطرح سؤالًا مباشرًا: هل تموَّل هذه الصفحة نفسها من الإمارات؟ وهل يحصل كل من يظهر في الصورة على رواتب من مخابرات أبوظبي، أم أن “البلد كلها تحت إدارة الإمارات”؟:
 

 

من جهة أخرى، ظهر غضب من داخل الخليج نفسه؛ حساب @Salman1022850 هاجم قنديل بألفاظ حادة، ورفض أن تُحمَّل السعودية مسؤولية هذا النوع من التجنيد الإعلامي، قائلًا إن “السعودي يدافع من نفسه لأنه صادق مع الله ومع حكامه”، ومتهمًا قنديل ومن على شاكلته بأنهم “لفو ساحل”:
 

 

في خضم هذا كله، كتب قنديل ردًا على أحد الحسابات الإماراتية يقول فيه إن “الأمن الوطني الإماراتي كان على تواصل معه ومع يوتيوبرز”، وإنه مستعد – إذا استدعاه الأمن الوطني المصري – أن يكشف الأسماء وقيمة ما كانوا يتقاضونه شهريًا.

 

نفوذ أبوظبي وأسئلة مفتوحة حول استقلال الإعلام المصري

 

الصحفي نظام المهداوي @NezamMahdawi قدّم رقمًا أكثر تحديدًا، قائلاً إن قنديل تقاضى 30 ألف دولار من الإمارات لإنتاج ثلاث حلقات ضده شخصيًا، وإن إجمالي ما عُرض عليه كان 100 ألف دولار سنويًا، لكنه – بحسب رواية المهداوي – لم يحقق الأثر المطلوب فأُوقِف:

 

 

المهداوي اعتبر أن اعتراف قنديل يفضح “سوقًا كاملة” تدفع فيها أبوظبي أموالاً طائلة لمن يصفون أنفسهم بأنهم “يوتيوبرز مصر”، مقابل خطاب يقوم على “انتهاك الأعراض والتطاول الرخيص”، وفق تعبيره.

 

حساب حزب تكنوقراط مصر @egy technocrats لخّص المشهد تحت عنوان “حين تنقلب اللجان على صُنّاعها: فضائح التمويل تكشف الوجه الخفي لكتائب التضليل”، معتبرًا أن ما يحدث هو “قلب الترابيزة” على الممول لا مجرد خلاف شخصي:

 

 

في المقابل، يرى مغردون مثل @youssakka49007 أن ما يجري يؤكد تحول “الذباب الإلكتروني” إلى مجرد مرتزقة، يكشفون المستور عندما تختلف الحسابات المالية، بينما اعتبر آخرون أن قنديل يحاول اليوم إعادة تسويق نفسه، لا بدافع مبدئي، بل لأنه خرج من “دائرة الرضا” لدى الممول.

 

في خلفية السجال، تظل الأسئلة الأوسع دون إجابة واضحة:

 

ما حجم الدور الذي تلعبه أبوظبي فعلًا في توجيه مضمون قنوات يوتيوب وصفحات ذات تأثير في الداخل المصري؟

 

هل ما كُشف عن تمويل بعض الأسماء هو الاستثناء، أم جزء من نمط أوسع لم يُكشف بعد؟

 

وأين تقف مؤسسات الدولة المصرية، بما فيها الأجهزة الأمنية، من وجود شبكات تمويل إعلامية خارجية تعمل في المساحة نفسها التي يفترض أن تخدم روايتها الرسمية؟

 

حتى الآن، لا توجد تحقيقات معلنة ولا ردود رسمية مفصّلة من الجانب المصري أو الإماراتي.

 

ما يظهر للرأي العام هو مشهد “انقلاب اللجان على صانعها”، وغسيل قذر يُنشر على العلن، يؤكد أن جزءًا معتبرًا من الخطاب السياسي والإعلامي في الفضاء الرقمي لم يكن يومًا تعبيرًا حرًا عن قناعات، بل تعاقدات مالية عابرة للحدود، ينقلب فيها الجميع على الجميع عندما يتعطل “الدفع بالدولار”.