انسحبت الكاتبة الهندية أرونداتي روي، الحائزة على جوائز عالمية، من فعاليات مهرجان برلين السينمائي الدولي؛  احتجاجًا على تصريحات رئيس لجنة التحكيم، المخرج الألماني فيم فيندرز، الذي دعا إلى إبقاء السينما “بعيدًا عن السياسة”.

 

الانسحاب لم يكن حركة رمزية فقط. بل تحوّل بسرعة إلى عنوان لجدل أوسع داخل الوسط الثقافي.

 

جدل يختبر حدود ما يمكن قوله في الفعاليات الدولية. وما الذي يُعتبر “سياسة” عندما تكون الحرب في غزة في قلب المشهد الإنساني العالمي.

 

تصريح فيم فيندرز يشعل الخلاف داخل لجنة التحكيم

 

خلفية الأزمة بدأت عندما سُئل أعضاء لجنة التحكيم عن الحرب في غزة. تعليقاتهم، وفق ما أثارته التغطيات، فجّرت نقاشًا حادًا حول دور الفن في لحظات الكوارث.

 

روي اعتبرت ما قيل “صادمًا ومقززًا”، ورأت فيه محاولة لإسكات الفنانين في “لحظة إنسانية حرجة”.

 

الرسالة التي فهمتها من عبارة “إبعاد السينما عن السياسة” لم تكن دعوة مهنية لتنظيم النقاش.

 

بل كانت، في قراءتها، إعادة تعريف للمنصة الفنية باعتبارها مساحة صامتة أمام حدث يفرض نفسه على الضمير العام.

 

في بيان نقلته وسائل إعلام هندية، صاغت روي موقفها بلهجة مباشرة.

 

قالت إنها، “مثل ملايين الأشخاص حول العالم”، سمعت تصريحات وصفتها بأنها “غير معقولة”، صدرت عندما طُلب من لجنة التحكيم التعليق على “الإبادة الجماعية في غزة”.

 

الاقتباس مهم لأنه يحدد نقطة الانفجار. هي لا تتحدث عن خلاف على ذوق فني أو تقييم فيلم. بل عن سياق أخلاقي ترى أنه لا يسمح بالتحايل اللغوي. وهو ما يفسر انتقالها من الاعتراض إلى قرار الانسحاب، باعتباره ردًا عمليًا لا بيانًا احتجاجيًا عابرًا.

 

اللافت أن الخلاف لم يُقدَّم كصدام شخصي بين روي وفيندرز فقط. بل كاختبار لتوازنات المهرجانات الكبرى.

 

هذه المؤسسات تريد أحيانًا تقليل الكلفة السياسية والمالية لأي موقف. وتفضّل خطاب “الفن أولًا”.

 

بينما يرى قطاع من الفنانين والكتاب أن هذا الخطاب يتحول، وقت الأزمات، إلى صيغة ضغط. ضغط هدفه حصر المبدع في دور “المشارك” الذي يمر عبر السجادة الحمراء، ثم يعود إلى بيته من دون رأي في العالم الذي يصوره الفن أصلًا.

 

انسحابات موازية وبرنامج يتأثر بالسياسة رغم إنكارها

 

الجدل لم يتوقف عند انسحاب روي. المهرجان أكد أيضًا انسحاب نسختين مرممتين من فيلمي عطيات الأبنودي وحسين شريف من البرنامج.

 

هذه التفاصيل تضيف طبقة أخرى للأزمة. لأن البرامج لا تتغير عادةً بهذه السهولة. والنسخ المرممة تحديدًا تأتي غالبًا ضمن ترتيبات طويلة ومكلفة.

 

وجود انسحابات من هذا النوع يعزز فكرة أن التوتر لا يخص ضيفًا واحدًا. بل يمتد إلى صانعين وأعمال، ويترك أثرًا ملموسًا على المحتوى المعروض.

 

هنا تظهر المفارقة التي يلتقطها كثيرون داخل الوسط السينمائي. المهرجان أو بعض القائمين عليه يرفعون شعار “إبعاد السينما عن السياسة”. لكن السياسة تتسلل إلى البرمجة نفسها، وإلى قائمة الحضور والانسحابات، وإلى ما يُقال وما لا يُقال على المنصات.

 

في النهاية، حتى محاولة فرض الصمت هي قرار سياسي من نوع آخر. لأنه يحدد من يملك حق الكلام، ومتى، وبأي لغة. وهو ما يفسر اعتبار خطوة روي مؤشرًا على صراع بين مؤسسات تريد تحييد الفعاليات، وفنانين يرون أن الصمت وقت الأزمات انحياز ضمني.

 

الصدام أيضًا يعكس أزمة إدارة المخاطر لدى المؤسسات الثقافية الدولية.

 

حين تصبح الحرب في غزة موضوعًا حاضرًا في أسئلة الصحفيين، لا يمكن تحويله إلى “خارج النص” بسهولة. لأن الجمهور العالمي يتابع. ولأن شبكات التواصل تراقب كل عبارة. ولأن أي إجابة مقتضبة تُقرأ كرسالة.

 

لذلك فإن الدعوة إلى “عدم تسييس” السينما لا تعني تفادي السياسة. بل تعني اختيار زاوية محددة للتعامل معها. وهذا ما جعل التصريحات تبدو، في نظر روي، ليست حيادًا بل كبحًا.

 

غزة والسينما: سؤال الحرية يعود من جديد داخل المهرجانات

 

النص الذي يحيط بالواقعة يضعها في إطار أوسع. الحرب في غزة لم تعد مجرد خبر سياسي أو عسكري. تحولت إلى قضية ذات أصداء عالمية طالت قطاعات كثيرة. من الجامعات إلى الرياضة. ومن المؤسسات الثقافية إلى صناعة السينما. هذا الاتساع يفسر لماذا تزداد صعوبة فرض “حياد” كامل داخل مهرجان بحجم برلين. لأن الأسئلة تأتي من الخارج، لا من داخل قاعة العرض فقط. ولأن الفنانين أنفسهم باتوا جزءًا من نقاش عالمي حول المسؤولية الأخلاقية للكلمة والصورة.

 

ويرى مراقبون، وفق ما يرد في النص، أن محاولات بعض المهرجانات والمؤسسات الفنية لتحييد الفن عن السياسة تواجه تحديًا متزايدًا. السبب ليس رغبة في تحويل كل منصة إلى منبر خطابي. بل لأن السينما بطبيعتها أداة تعبير إنساني. تعكس الواقع الاجتماعي والسياسي، أو تتأثر به حتى لو ادّعت الابتعاد عنه. هذا ليس استنتاجًا فلسفيًا. بل وصف لطبيعة الصناعة. التمويل والتوزيع والجمهور والرقابة، كلها عناصر تتحرك داخل بيئات سياسية واقتصادية. ولا يمكن عزلها بقرار إداري.

 

نقاد يلفتون كذلك إلى أن تاريخ السينما العالمية حافل بأعمال تناولت الحروب والاحتلالات والتمييز العنصري. هذه الإشارة ليست زخرفة. بل تفكيك لادعاء “الفصل الكامل”. لأن السينما عندما تتناول حربًا قديمة تعتبر “فيلمًا سياسيًا” بامتياز، ولا يُطلب منها عادةً الصمت. أما عندما تكون الحرب جارية وملتهبة، يصبح الحديث عنها عبئًا على المؤسسات. هنا يظهر معيار مزدوج يخشاه الفنانون. معيار يسمح بالسياسة عندما تكون بعيدة زمنيًا، ويمنعها عندما تكون محرجة وحاضرة.

 

انسحاب روي أعاد الجدل حول حدود حرية التعبير داخل الفعاليات الدولية. ومدى قدرة المؤسسات الثقافية على فرض “حياد” في قضايا تمس الرأي العام العالمي. السؤال هنا لا يتعلق بموقف واحد صحيح للجميع. بل بحدود السلطة التي تمتلكها إدارة مهرجان أو لجنة تحكيم لتحديد ما يجوز طرحه علنًا. خصوصًا عندما تتزايد عالميًا أصوات تطالب بوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ويصبح الصمت نفسه موقفًا يُحاسَب عليه صاحبه في المجال العام.

 

في الخلفية توجد حالات مشابهة من حيث النمط، حتى لو اختلفت التفاصيل. فعاليات فنية دولية شهدت خلال السنوات الأخيرة انسحابات، ورسائل احتجاج، وخلافات داخل لجان، بسبب صراعات دولية وأزمات حقوقية. يتكرر المشهد غالبًا بالطريقة نفسها. مؤسسة ترفع شعار “الفن فوق الخلافات”. وفنانون يرفضون تحويل الشعار إلى أداة لإغلاق النقاش. ثم تتحول الواقعة إلى اختبار للحوكمة الثقافية: من يقرر قواعد الكلام؟ وما حدود المنصة؟ وما الذي يُعتبر “إنسانيًا” وما الذي يُوسَم فورًا بأنه “سياسي” لتهميشه؟

 

في النهاية، لا يُقرأ انسحاب أرونداتي روي من برلين كقرار فردي فقط. بل كمؤشر على تحول أوسع في المشهد الثقافي العالمي. القضايا السياسية والإنسانية أصبحت تتصدر المنصات الفنية رغم محاولات الفصل. والسينما، بما تملكه من تأثير رمزي، تجد نفسها أمام سؤال عملي لا تنظيري: هل يمكن الاكتفاء بعرض الأفلام والحديث عن الجماليات بينما العالم يشتعل؟ أم أن محاولة تقييد الكلام ستنتج صدامًا أكبر، وتؤثر على المهرجانات نفسها كما ظهر في انسحابات وبرامج تتغير تحت ضغط اللحظة؟