محمد طلبة رضوان
كاتب صحافي
أُدرك تماماً أن في عنوان المقال تعميماً قد يبدو مُخلّاً، لكنّنا أمام "ظاهرة" أحد أهم أسبابها "الإنكار": إنكار العنف، وإنكار وجوده، وإنكار أنّه جريمة، وإنكار أنّ تبريره جريمة لا تقلّ عنه. ومن ثم، فإنّ الاحتراز من تسمية الأشياء بأسمائها هرباً من اتهام جاهز بالتعميم هو محض شراكة وتعتيم.
ما يحدث جريمة منظّمة، وبنية سياسية واقتصادية إجرامية، نتج منها ما يحيط بنا من عنف في كل مكان وفي كل تفصيلة: في الحوارات اليومية، في الشارع، في المواصلات، في أماكن العمل، في الخطابات التي تحوّلت من أنّها أحد الأسباب في إحدى المراحل إلى إحدى أبرز النتائج. فهو عنف يولّد عنفاً، يولّد عنفاً إلى ما لا نهاية. هذا العنف "البنيوي" فكّك الروابط "التقليدية" التي تحفظ للمواطن أمانه، وأورث "الناس" انعدام الأمن وانعدام الأمل في التغيير، ومن ثم انعدام الضمير الذي صار عبئاً على صاحبه إذا أراد المواصلة.
هذا ما تكشفه "واقعة باسوس" في محافظة القليوبية، التي تحوّلت من حديث الناس في الأيام الأولى من وقوعها إلى مجرّد خبر بفعل التبلّد الذي طاول كلّ ذرة في وعي المصريين وضمائرهم. والواقعة المشؤومة "نموذج حالة" لما وصلنا إليه ونرفض الاعتراف به لدواعٍ وطنية: أب وابنه الطفل (خمس سنوات) عائدان من صلاة التراويح، والابن يمسك بمصلّية، وهما أمام بيتهما. فجأة يظهر في الكادر رجل وأبناؤه الشباب، مسلّحون بالخرطوش والأسلحة البيضاء، ويعتدون على الأب وابنه. يطلق أحدهم النار في اتجاه الأب، ولا يردعه وجود الطفل في مرمى النيران. تصيب الخرطوشة قدم الطفل، الذي يرقد الآن إلى جوار أبيه في أحد المستشفيات مهدَّداً ببتر قدمه.
لا، لا يمكنني أن أصف لك ما نقلته الكاميرات، مهما بلغت دقّة الوصف. كما أنه لا يمكنك (ولن يمكنك) تصديق ما تراه حين تراه. فهو مشهد لا يماثله في ذاكرتنا الجمعية سوى مشهد الاعتداء على الطفل الفلسطيني محمّد الدرّة. الفارق أن المعتدي ليس صهيونياً، بل مصرياً، كما أنه ليس جيش احتلال أو عدوّاً، بل خال زوجة المجني عليه، وجدّ الطفل. اختلف مع زوج ابنة أخته، فقرّر هو وأولاده تصفية خلافاتهم باللغة الوحيدة التي يفهمها المصريون الآن: السلاح. وأطلق النار على صهره وحفيده، في الشارع، وفي أول أيام شهر رمضان.
لا رابطة أخلاقية واحدة هنا: لا حقّ القرابة، ولا حرمة الدم، ولا حرمة الطفل، ولا حرمة الشهر الكريم، ولا حتى الخوف من القانون. لا شيء سوى السلاح، ومبرّرات استخدامه التي لا تنقطع عن أسماع وأبصار المصريين طوال 13 سنة. فما المنتظر؟
تحوّل العنف إلى "وباء وطني" (بتعبير الطبيب النفسي الأميركي جيمس جيليجان) بفعل الضغط الاقتصادي والاجتماعي الذي تجاوز التأزّم إلى التوحّش، وبفعل القمع السياسي الذي تجاوز الاستبداد إلى التوحّش، وبفعل تفكّك القيم التقليدية وأولها الدين، الذي شاركت خطاباته في تديين التوحّش فتوحّش. وتحوّلت "قيمة" الدين إلى "نيش"، قطع ديكورية، وأحياناً فلكلورية، لا وظيفة لها سوى الوجاهة الاجتماعية والفخر الشخصي والوطني. وبفعل الخطابات الإعلامية التي تجاوزت التحريض والكذب والنفاق السياسي إلى التوحّش في ذلك كلّه، وبدم بارد وعقل غائب، وبفعل الإرهاق النفسي والأزمات المتلاحقة التي لا تمنح مواطناً واحداً حيّزاً للتنفس: ثورة، وانقلاب، وإرهاب، وقمع، وفقر، وغلاء، وصدمات من وراء صدمات. تجاوزت حالات العُصاب الجماعي إلى التوحّش، حتى إن التوحّش نفسه تحوّل من نتيجة لما قبله إلى وسيلة دفاعية ودافعة إلى ما بعدها.
أين الدولة؟ موجودة، بشرط تحوّل الجريمة إلى "ترند". هنا يأتي التدخّل الأمني السريع ليخبرنا أن "مصر بخير" و"كلّه تحت السيطرة". لكن إذا أردنا توصيف ما يحدث كما يحدث، فالدولة وراء كل جريمة، لا بالتعقّب، بل بخلق الأسباب والدوافع والبنى والحواضن الاجتماعية، ثم خطابات التبرير والتمرير الضامنة لاستمرار القوة بديلاً عن القانون، والعنف بديلاً عن التفاهم، والتوحّش بديلاً عن الدولة نفسها، وشرطاً لازماً لاستمرار الحياة البيولوجية.

