شهدت قاعة مجلس النواب في واشنطن ليلة أمس لحظة صدام نادرة، عندما قاطعت النائبة إلهان عمر خطاب حالة الاتحاد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بصيحة عالية اتهمته فيها بأنه “يقتل أمريكيين”، في مشهد أعاد فتح النقاش حول حصانة الرئيس، وحدود الاحتجاج داخل الكونغرس، ودور اللاجئين والمهاجرين في مساءلة السلطة التنفيذية أمام الرأي العام.
مواجهة غير مسبوقة تحت قبة الكونجرس
إلهان عمر، النائبة الديمقراطية عن ولاية مينيسوتا واللاجئة الصومالية السابقة التي حصلت على الجنسية الأمريكية وانتُخبت أكثر من مرة، لم تكتف بالجلوس أو الامتناع عن التصفيق كما فعل عدد من زملائها، بل قاطعت ترامب أثناء حديثه عن الهجرة والأمن، وصرخت من مقعدها في القاعة قائلة “أنت تقتل أمريكيين”، قبل أن يرد عليها الرئيس بجملة مقتضبة “يجب أن تخجلي من نفسك”، وسط همهمات في القاعة وتوتر واضح في الأجواء.
الصحف الأمريكية وصفت الواقعة بأنها اللحظة الأكثر توترًا في خطاب استمر لأكثر من 100 دقيقة، وشهد أصلاً مقاطعات متكررة من عدد من النواب الديمقراطيين، بينهم رشيدة طليب وآل جرين، لكن صيحة عمر اكتسبت وزنًا إضافيًا لأنها جاءت في سياق اتهام مباشر للرئيس بالمسؤولية عن مقتل مواطنين أمريكيين على خلفية سياسات الهجرة، لا مجرد الاعتراض على مضمون فقرة أو وصفها بأنها “كاذبة” أو “عنصرية”.
بعض أعضاء الكونغرس اعتبروا أن ما قامت به عمر يتجاوز الأعراف البروتوكولية التي تمنع مقاطعة الرئيس بهذا الشكل في خطاب حالة الاتحاد، بينما رأى آخرون أن اللحظة السياسية الحالية، وما تشهده من تصعيد في قرارات الترحيل واستخدام القوة من قِبل أجهزة الهجرة، تجعل من “الاعتراض الصاخب” أداة مشروعة للتذكير بالضحايا داخل أبرز منصة سياسية في البلاد.
حصانة الرئيس وضحايا سياساته: سؤال المساءلة المفتوح
المواجهة لم تأتِ من فراغ؛ فمينيسوتا شهدت خلال الأسابيع الماضية عملية أمنية واسعة للهجرة، عُرفت باسم “عملية مترو سيرج”، ترافقَت مع تصاعد التوتر بين مجتمع المهاجرين والأجهزة الفيدرالية، كما قُتل في حوادث منفصلة عدد من الأشخاص على يد عناصر إنفاذ القانون، بينهم مواطنون قُدِّموا بوصفهم متعاطفين مع اللاجئين أو ناشطين في دعمهم، ولا تزال التحقيقات جارية حول ملابسات هذه الوقائع وحدود المسؤولية السياسية عنها.
إلهان عمر ربطت في أكثر من مناسبة بين هذه السياسات وخطاب ترامب المتشدد تجاه مجتمع المهاجرين الصوماليين في ولايتها، واتهمته بتغذية أجواء عداء تُسهِّل تبرير استخدام القوة المفرطة ضد المهاجرين وحلفائهم، ما اعتبره أنصارها السياق المباشر لعبارتها “أنت تقتل أمريكيين”، في إشارة إلى مسؤولية سياسية عن بيئة سمحت بسقوط ضحايا أمريكيين برصاص أجهزة اتحادية تتحرك بأوامر البيت الأبيض.
قانونيًا، يستند ترامب في جزء من قوته الحالية إلى حكم المحكمة العليا في قضية “ترامب ضد الولايات المتحدة” عام 2024، الذي منح الرؤساء حصانة جنائية واسعة عن “الأفعال الرسمية”، واعتبرهم يتمتعون بحماية مطلقة في نطاق بعض الصلاحيات الأساسية، مع حصانة مفترضة لأفعال أخرى، ما يقلِّص مساحة ملاحقته جنائيًا عن قرارات تُصنَّف باعتبارها ضمن مهامه الدستورية.
أستاذ القانون الدستوري في جامعة هارفارد لورنس ترايب، الذي انتقد الحكم مرارًا، وصف توسيع الحصانة بأنه “ضربة مدمرة لفكرة أن لا أحد فوق القانون”، محذّرًا من أن الرئيس يمكن أن يتذرع بصفة “العمل الرسمي” للهروب من تبعات قرارات تكلِّف مواطنين حياتهم، وهي زاوية يربطها مراقبون مباشرة بمشهد أمس، حيث تتهم نائبة من الأقلية الرئيس في القاعة ذاتها بأنه يقتل أمريكيين دون أن تكون هناك آلية فورية لمساءلته جنائيًا.
من جهتها، تشير أستاذة القانون والخبيرة في الفصل بين السلطات كيم ويلي، إلى أن استخدام الحصانة بهذا الشكل، مع وجود أغلبية جمهورية في مجلسي النواب والشيوخ، يقلّل عمليًا من فرص أي مسار مساءلة سياسي أو تشريعي فعال خلال ما تبقى من الولاية، وتعتبر أن الرهان ينتقل في هذه الحالة من آليات المساءلة المؤسسية إلى صناديق الاقتراع في انتخابات نوفمبر المقبلة، وهو ما يجعل مشاهد الاحتجاج داخل الكونغرس جزءًا من معركة أوسع على وعي الناخبين.
اللاجئون والمهاجرون في قلب السياسة الأمريكية
إلهان عمر ليست فقط نائبة ديمقراطية معروفة بمواقفها التقدمية؛ بل هي أيضًا واحدة من أبرز الوجوه التي تمثل اللاجئين والمسلمين في المؤسسات المنتخبة بالولايات المتحدة، بعد أن وصلت طفلًة من مخيم للاجئين في كينيا ثم حصلت على الجنسية وترشحت عن ولاية مينيسوتا، ما يجعل ظهورها وهي تواجه الرئيس بصوت مرتفع داخل الكونغرس حدثًا محمّلًا بدلالات رمزية تتجاوز اللحظة السياسية المباشرة.
أستاذة القانون ومؤلفة كتاب “المسلم العرقي” سحر عزيز ترى في كتاباتها أن جزءًا من الخطاب السياسي في أمريكا يتعامل مع المسلمين – ومن بينهم اللاجئون – باعتبارهم “فئة عِرقية” موضع اشتباه دائم، لا أقلية دينية محمية فقط، وتوضح أن هذا التصوّر يُستخدم أحيانًا لنزع الشرعية عن مشاركتهم في النقاشات الأمنية والهجرية بدعوى تضارب الولاءات أو “انعدام الوطنية”، وهو ما يفسّر شراسة الهجمات التي تتعرض لها عمر كلما رفعت صوتها ضد سياسات الرئيس.
وتشير أبحاث أكاديمية حول خطاب ترامب إلى أنه بنى جزءًا كبيرًا من رسالته السياسية على تصوير المسلمين والمهاجرين باعتبارهم “خطرًا أمنيًا” و“جماعة خارجية” تهدد “الأمريكيين الحقيقيين”، مع التركيز على ولايات مثل مينيسوتا ذات الجالية الصومالية الكبيرة، ما جعل عمر في قلب هذا الاشتباك؛ فهي من جهة تمثّل هذا المجتمع داخل الكونغرس، ومن جهة أخرى تتحول إلى هدف دائم في خطاب الرئيس وأنصاره، كما ظهر في هجماته المتكررة عليها خلال الأشهر الماضية.
شيبلي تلحمي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ميريلاند، يربط في تحليلاته بين تصاعد تمثيل المسلمين في المؤسسات المنتخبة وبين تشدد خطاب قطاعات من اليمين تجاههم، معتبرًا أن وجود شخصيات مثل عمر داخل الكونغرس يفتح الباب أمام مساءلة أكثر مباشرة للرئيس حول أثر سياساته على المجتمعات المهاجرة، لكنه في الوقت نفسه يرفع كلفة المشاركة السياسية على هؤلاء؛ لأنهم يدفعون ثمنًا أعلى من التهديدات والعنف الرمزي، وصولًا إلى الاعتداءات الجسدية كما حدث في الهجوم الأخير ضد عمر في مينيسوتا.
على مستوى الإعلام، انقسمت التغطية بين قنوات ركزت على “خرق البروتوكول” واعتبرت سلوك عمر دليلًا على “تطرف الجناح التقدمي”، ومنصات أخرى أبرزت سياق مقتل أمريكيين برصاص أجهزة اتحادية، واعتبرت صرختها تعبيرًا عن غضب شريحة من المواطنين لا تجد منفذًا آخر لإسماع صوتها في ظل أغلبية جمهورية متماسكة وقرار قضائي يمنح الرئيس حصانة واسعة عن أفعاله الرسمية، ما يجعل قاعة الكونغرس نفسها مساحة صراع مفتوحة بين سلطة تنفيذية متضخمة ونواب يحاولون، بدرجات متفاوتة، الدفاع عن ضحايا سياساتها.
في المحصلة، يرى خبراء في القانون والسياسة أن ما جرى بين ترامب وإلهان عمر في خطاب حالة الاتحاد ليس مجرد لقطة صاخبة في بث تلفزيوني مباشر، بل مؤشر على تراكم ثلاث طبقات من الأزمة؛ توسّع حصانة الرئيس إلى حدّ يصعّب مساءلته عن قرارات تتسبب في مقتل مواطنين، واستخدام ملف الهجرة والأمن لتبرير القوة المفرطة على الأرض، وتزايد حضور اللاجئين والمهاجرين في مراكز القرار بما يتيح لهم توجيه الاتهام علنًا إلى رأس السلطة، بينما تُرحَّل الإجابة الحاسمة عن سؤال المسؤولية إلى انتخابات نوفمبر، حيث يختبر الناخبون ما إذا كانت هذه الصرخة ستترجم إلى تغيير سياسي أم تبقى مجرد لحظة احتجاج عابرة في سجل طويل من الاشتباك بين الرئيس وخصومه من داخل المؤسسات.

