ينفي أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني وجود أي مساعٍ للتفاوض مع الولايات المتحدة، ويؤكد أن بلاده “لن تتفاوض” عقب الضربات الأمريكية–الإسرائيلية التي استهدفت إيران في نهاية الأسبوع. التصريح جاء عبر حسابه على منصة “إكس”، في توقيت تتكاثر فيه التقارير عن وساطات خلف الكواليس. النفي الحاد يفتح بابًا أوسع للتساؤل: هل تغلق طهران باب الحوار فعليًا، أم تمارس ضغطًا تفاوضيًا تحت النار؟
Trump's wishful thinking has dragged the whole region into an unnecessarily war and now he is rightly worried about more American casualties. It is indeed very sad that he is sacrificing American treasure and blood to advance Netanyahu's illegitimate expansionist ambitions. https://t.co/b11I6cNb6I
— Ali Larijani | علی لاریجانی (@alilarijani_ir) March 2, 2026
لاريجاني كتب بوضوح أن التقارير التي تحدثت عن سعي مسؤولين إيرانيين لبدء محادثات مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “غير صحيحة”. وأضاف في منشور آخر أن إيران، “على عكس الولايات المتحدة، أعدت نفسها لحرب طويلة”. هذه العبارة ليست عابرة. هي إعلان استعداد للاستنزاف، ورسالة بأن الرد لن يكون مؤقتًا أو محدودًا.
Iran, unlike the United States, has prepared itself for a long war. pic.twitter.com/0nTGu9u2K4
— Ali Larijani | علی لاریجانی (@alilarijani_ir) March 2, 2026
لكن في المقابل، نقلت “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين قولهم إن مبادرة لاستئناف المحادثات مع واشنطن قُدمت عبر وسطاء من سلطنة عمان، ونُسبت المبادرة إلى لاريجاني نفسه. هذا التضارب يضع المشهد أمام روايتين متناقضتين: نفي علني وتصعيد لفظي، مقابل حديث عن قنوات خلفية.
لن نتفاوض مع الولايات المتحدة https://t.co/cvEweU8ODj
— Ali Larijani | علی لاریجانی (@alilarijani_ir) March 2, 2026
نفي علني ورسائل قوة.. خطاب موجه للداخل قبل الخارج
تصريحات لاريجاني جاءت بعد ضربات واسعة استهدفت مواقع وقيادات إيرانية. في مثل هذه اللحظات، تميل الأنظمة إلى رفع سقف الخطاب. الرسالة الأساسية هنا موجهة إلى الداخل الإيراني. لا تفاوض تحت القصف. لا تراجع أمام الضغوط. هذه لغة تعبئة سياسية قبل أن تكون موقفًا تفاوضيًا نهائيًا.
يرى علي فايز، مدير مشروع إيران في “مجموعة الأزمات الدولية”، أن النفي العلني لا يعني غياب قنوات خلفية. ويشير إلى أن طهران، تاريخيًا، تفصل بين الخطاب العلني والتفاوض غير المباشر. التصعيد في العلن قد يكون جزءًا من تحسين شروط التفاوض، لا إعلان قطيعة مطلقة.
فايز يلفت إلى أن استخدام عبارة “حرب طويلة” يهدف إلى تثبيت صورة الصمود. لأن أي إشارة إلى بحث عن تسوية سريعة قد تُقرأ داخليًا كضعف. لذلك، حتى لو وُجدت وساطة عمانية، فلن تُعلن في هذا التوقيت.
حرب طويلة أم استنزاف محسوب؟
إعلان الاستعداد لحرب طويلة يعني قبول كلفة اقتصادية وعسكرية مرتفعة. إيران تعاني أصلًا من عقوبات وضغوط اقتصادية. أي تصعيد ممتد قد يؤثر على صادرات الطاقة، وسعر العملة، والاستقرار الداخلي. ومع ذلك، يبدو أن القيادة الإيرانية تراهن على قدرة التحمل.
يقول مايكل نايتس، الباحث المتخصص في شؤون الأمن الإقليمي، إن طهران تعتمد في استراتيجيتها على مفهوم “الاستنزاف المتدرج”. أي تجنب مواجهة شاملة مباشرة، مقابل استخدام أدوات متعددة: صواريخ محدودة، حلفاء إقليميون، وضغط سياسي. هذا النموذج يسمح بإطالة أمد المواجهة دون بلوغ نقطة الانفجار الكامل.
نايتس يشير إلى أن إعلان الجاهزية لحرب طويلة لا يعني بالضرورة رغبة في خوضها فورًا. بل قد يكون وسيلة ردع. رسالة مفادها أن الضربة الأخيرة لن تُجبر إيران على القبول بشروط خصومها. لكن استمرار التصعيد قد يجعل الاستنزاف يتحول إلى حرب مفتوحة بحكم التراكم.
وساطة عمان.. بين النفي السياسي والواقعية الدبلوماسية
سلطنة عمان لعبت سابقًا دور الوسيط بين طهران وواشنطن. ذكر اسمها في تقارير “وول ستريت جورنال” يعيد إلى الواجهة مسارًا تفاوضيًا غير مباشر. حتى لو نفى لاريجاني رسميًا أي مبادرة، فإن وجود وسطاء إقليميين يظل احتمالًا قائمًا.
تقول سنم وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط في “تشاتام هاوس”، إن الأزمات الكبرى غالبًا ما تُدار عبر قنوات خلفية متوازية مع خطاب علني متشدد. وتضيف أن النفي العلني قد يكون جزءًا من إدارة صورة القوة، بينما تستمر الوساطة بهدوء لتفادي توسع الصراع.
وكيل تشير إلى أن الطرفين، واشنطن وطهران، يدركان كلفة الحرب الطويلة. الولايات المتحدة لا تريد انزلاقًا إقليميًا واسعًا، وإيران لا تستطيع تحمّل عزلة أعمق. لذلك تبقى القنوات غير المباشرة خيارًا عمليًا حتى لو جرى إنكاره.
بين الخطاب والميدان.. اختبار الأيام المقبلة
التصريحات الإيرانية المتشددة تعكس مرحلة توتر حاد بعد ضربات نهاية الأسبوع. لكن الميدان هو الحكم. إذا تصاعدت الهجمات المتبادلة، فسيصبح الحديث عن تفاوض بعيدًا. أما إذا استقر الإيقاع عند مستوى محدود، فقد تتقدم الوساطات.
التناقض بين منشورات لاريجاني والتقارير عن وساطة عمانية يعكس واقعًا سياسيًا مركبًا. طهران تحتاج لإظهار الصلابة. لكنها تحتاج أيضًا لتجنب حرب تستنزفها اقتصاديًا وعسكريًا. المعادلة دقيقة.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على مفاوضات علنية. ولا توجد دلائل على تراجع في الخطاب الإيراني. لكن تاريخ العلاقة بين إيران والولايات المتحدة يثبت أن القنوات الخلفية لا تتوقف حتى في أشد لحظات التصعيد.
السؤال ليس فقط هل ستتفاوض إيران، بل متى وتحت أي شروط. أما إعلان “الحرب الطويلة”، فهو إشارة إلى أن طهران لا ترى نفسها مضطرة للتراجع فورًا. الأيام المقبلة ستكشف إن كان هذا الموقف ثابتًا، أم أنه جزء من لعبة ضغط سياسية في مواجهة مفتوحة لم تُحسم بعد.

