فجّرت مناقشات مجلس النواب حول أربع اتفاقيات قروض جديدة لصالح وزارة النقل جدلًا واسعًا بشأن حجم الدين العام وجدوى الاقتراض المتواصل، في وقت تتصاعد فيه أعباء خدمة الدين وتضيق فيه المساحة المالية أمام الموازنة العامة.

 

الملف طُرح خلال جلسة عامة ناقشت اتفاقيات لتمويل المرحلة الثالثة من مشروع القطار الكهربائي الخفيف بمدينة العاشر من رمضان، بقيمة إجمالية تبلغ 393.5 مليون دولار لهذه المرحلة وحدها، ضمن شبكة بطول 105 كم و22 محطة. الجدل لم يتوقف عند تفاصيل المشروع، بل امتد إلى أرقام الدين الخارجي البالغة 163 مليار دولار، والدين الداخلي الذي يتجاوز 13 تريليون جنيه، بحسب بيانات أُشير إلى أنها صادرة عن الجهاز المركزي للمحاسبات. وأعلن النائب محمد عبد العليم داوود رفضه الاتفاقيات الأربع في نهاية المناقشة.

 

163 مليار دولار دين خارجي.. و13 تريليون داخلي

 

الأرقام المطروحة تعكس واقعًا ضاغطًا. 163 مليار دولار دين خارجي تعني التزامات بالعملة الأجنبية في ظل تقلبات سعر الصرف. 13 تريليون جنيه دين داخلي تعني استنزافًا مستمرًا للسيولة المحلية عبر أدوات الدين الحكومية.

 

الدكتور هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، يرى أن “المشكلة ليست في رقم الدين فقط، بل في معدل نموه مقارنة بمعدل نمو الإيرادات العامة”. ويضيف أن استمرار الاقتراض دون زيادة موازية في الإنتاج والصادرات “يضعف القدرة على السداد طويل الأجل”.

 

خدمة الدين تمثل بندًا متضخمًا في الموازنة. كل قرض جديد، حتى لو كان ميسرًا، يضيف أقساطًا وفوائد مستقبلية. وفي حال تعثر الجهات المستفيدة عن السداد، تنتقل الأعباء إلى وزارة المالية.

 

خلال الجلسة، أثيرت مسألة ضمانات وزارة المالية لعدد من الجهات التي لم تلتزم بالسداد. ما يعني أن الخزانة العامة تتحمل التكلفة النهائية.

 

قروض صينية لمشروع LRT.. جدوى تحت الاختبار

 

الاتفاقيات الأربع شملت قرارات رئاسية أرقام 652 لسنة 2024 و479 و480 و481 لسنة 2025، وتتعلق بقروض ميسرة وتفضيلية من حكومة الصين وبنك التصدير والاستيراد الصيني لتمويل المرحلة الثالثة من مشروع LRT.

 

رئيس لجنة النقل وحيد قرقر دافع عن المشروع، مؤكدًا أنه يمثل نقلة نوعية في النقل الحضري ويربط شرق القاهرة بالمدن الجديدة مثل العاشر من رمضان والعاصمة الإدارية وبدر والشروق والعبور.

 

المرحلة الثالثة تمتد بطول 20.4 كم من محطة “الفنون والثقافة” إلى “العاصمة المركزية”، وتخدم معالم مثل كاتدرائية ميلاد المسيح والمدينة الرياضية العالمية. فترة السداد تمتد 20 عامًا بينها 5 سنوات سماح.

 

الدكتورة سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية، تشير إلى أن “القروض الميسرة تقلل عبء الفائدة لكنها لا تلغي المخاطر المرتبطة بسعر الصرف”. وتوضح أن أي انخفاض في قيمة الجنيه يرفع التكلفة الفعلية للسداد.

 

المشروع نُفذ بالتعاون مع اتحاد شركات صينية بقيمة 393.5 مليون دولار للمرحلة الثالثة فقط. وإذا أضيفت المراحل الأخرى، تتضاعف الكلفة.

 

بين تطوير النقل وضغط الموازنة

 

الحكومة تؤكد أن القطار الكهربائي الخفيف جزء من شبكة نقل مستدامة وذكية، وأن تكامله مع القطار الكهربائي السريع يمثل نقطة تحول في كفاءة المنظومة. لكن السؤال يتعلق بقدرة المشروع على توليد عائد يغطي التكاليف التشغيلية وأقساط القروض.

 

الدكتور فخري الفقي، الخبير الاقتصادي، يرى أن “مشروعات البنية التحتية الكبرى ضرورية، لكن يجب ترتيب الأولويات وفق الاحتياجات الفعلية والعائد الاجتماعي”. ويضيف أن التوسع العمراني لا يعني بالضرورة كثافة استخدام فورية.

 

الجدل داخل المجلس لم يكن حول فكرة النقل الجماعي، بل حول نمط التمويل. الحديث عن قروض يتم توقيعها مع دفع عمولة ارتباط دون استفادة كاملة أثار تساؤلات حول كفاءة إدارة الدين.

 

في ظل ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا وتقلبات الطاقة، تصبح تكلفة الاقتراض الخارجي أكثر حساسية. الأسواق الناشئة، ومنها مصر، تواجه ضغوطًا مضاعفة.

 

مارس 2026 يأتي مع أرقام دين مرتفعة ونقاشات محتدمة حول جدوى الاستدانة. القروض قد تموّل مشروعات استراتيجية. لكنها في الوقت نفسه تضع التزامات ممتدة حتى 2045.

 

الملف بات مفتوحًا تحت القبة. والأرقام أصبحت في صدارة النقاش العام. بين تطوير شبكة نقل حديثة وضبط مسار الدين، يبقى التحدي في تحقيق توازن يحمي المالية العامة من مزيد من الضغوط.