أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تحذيرًا عاجلًا دعت فيه رعاياها إلى مغادرة أكثر من 10 دول عربية فورًا، في ظل تصاعد الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط لليوم الرابع. الرسالة التي بعثت بها مورا نامدار، مساعدة وزير الخارجية للشؤون القنصلية، أكدت أن وزير الخارجية ماركو روبيو يحث الأمريكيين على مغادرة الدول المحددة باستخدام أي وسيلة نقل تجارية متاحة بسبب “مخاطر أمنية خطيرة”. القرار يعكس تقديرًا أمريكيًا بأن نطاق المواجهة تجاوز حدود الاشتباك المباشر.

 

قائمة الإخلاء تكشف اتساع نطاق التهديد

 

شملت قائمة الدول التي دعت واشنطن رعاياها لمغادرتها: البحرين، مصر، إيران، العراق، إسرائيل، قطاع غزة، الأردن، الكويت، لبنان، عُمان، قطر، السعودية، سوريا، الإمارات، واليمن. اتساع القائمة جغرافيًا من الخليج إلى المشرق يعكس قراءة أمريكية بأن المخاطر لم تعد محصورة في ساحة قتال واحدة.

 

الدكتور فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، يرى أن “دعوات الإخلاء بهذا الحجم لا تصدر إلا عندما تكون أجهزة الاستخبارات قد رصدت احتمالات تصعيد غير قابل للضبط”. ويضيف أن شمول مصر ودول الخليج في القائمة يبعث رسالة بأن واشنطن تتوقع ارتدادات مباشرة أو غير مباشرة على مصالحها في المنطقة.

 

اللافت أن التحذير لم يقتصر على دول تشهد قتالًا مباشرًا، بل امتد إلى دول تُعد تقليديًا مستقرة أمنيًا. هذا الاتساع يعكس تقديرًا بأن أي خطأ في الحسابات العسكرية قد يدفع الصراع إلى مستويات أوسع.

 

تصعيد عسكري متزامن في عدة جبهات

 

في اليوم الرابع للحرب، شن الجيش الإسرائيلي موجة جديدة من الغارات العنيفة على طهران بعد إصدار إنذار لسكان العاصمة الإيرانية. كما دوّى انفجار في محافظة أصفهان. وأعلن الجيش الإيراني مقتل 13 جنديًا في هجوم إسرائيلي على قاعدة عسكرية بمحافظة كرمان جنوب البلاد.

 

التزامن بين الغارات على العاصمة وضربات في محافظات أخرى يشير إلى اتساع بنك الأهداف. العمليات لم تعد محدودة بمواقع بعينها، بل تبدو جزءًا من حملة أوسع نطاقًا.

 

اللواء سمير فرج، الخبير الاستراتيجي، يرى أن “تكثيف الضربات في العمق الإيراني يهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية وإرسال رسالة ردع سياسية في آن واحد”. ويضيف أن استهداف قواعد عسكرية في كرمان يوضح أن العمليات تتجاوز الرمزية إلى محاولة تقليص البنية القتالية.

 

هذا التصعيد تزامن مع حوادث في دول أخرى. السعودية أعلنت أن السفارة الأمريكية في الرياض تعرضت لهجوم بمسيّرتين دون وقوع إصابات. قطر قالت إنها تصدت بنجاح لصاروخين بالستيين استهدفا عدة مناطق. الكويت أعلنت التعامل مع موجة من الصواريخ والمسيرات رُصدت في أجوائها.

 

تعدد الجبهات يؤكد أن المواجهة لم تعد ثنائية. بل باتت شبكة من الاشتباكات المتداخلة.

 

رسائل واشنطن بين الحذر والردع

 

التحذير الأمريكي لا يمكن فصله عن السياق العسكري. واشنطن، عبر دعوتها العاجلة، ترسل إشارة مزدوجة. من جهة، تعترف بأن الوضع الميداني ينطوي على مخاطر غير محسوبة. ومن جهة أخرى، تهيئ الرأي العام لاحتمالات تصعيد إضافي.

 

الدكتورة دينا إسفندياري، الباحثة في الشؤون الأمنية، ترى أن “دعوات الإجلاء الواسعة تستخدم أحيانًا كأداة ضغط سياسية، لكنها في الوقت ذاته تعكس تقديرًا حقيقيًا لتهديدات متزايدة ضد البعثات والمصالح الأمريكية”. وتضيف أن استهداف محيط السفارة في الرياض يعزز هذا التقدير.

 

التحذير يشمل 16 دولة. هذا الرقم يكشف حجم القلق. فحتى الدول التي أعلنت التصدي للصواريخ أو المسيرات تجد نفسها ضمن نطاق التوتر.

 

مقتل 13 جنديًا إيرانيًا، ضربات على طهران وأصفهان، استهداف سفارة أمريكية بمسيّرات، اعتراض صواريخ في قطر، ورصد موجات في الكويت. كل ذلك خلال أيام معدودة. المعادلة تتغير بسرعة.

 

إدراج مصر ضمن قائمة الإخلاء يثير تساؤلات حول تقديرات المخاطر في محيط البحر الأحمر وشرق المتوسط. إدراج الإمارات وعُمان يعكس مخاوف من امتداد التهديدات إلى خطوط الملاحة والبنى التحتية الحيوية.

 

القرار الأمريكي لا يعني إغلاق سفارات أو قطع علاقات. لكنه يعكس قراءة بأن احتمالات الخطأ أو الانزلاق أكبر من قدرة الأطراف على احتوائها.