الضربات الاستخباراتية الإسرائيلية ضد إيران لم تعد تقتصر على المواقع العسكرية، بل امتدت إلى غرف الاجتماعات الحساسة حيث تُتخذ القرارات الاستراتيجية.
في السنوات الأخيرة، شهدت إيران سلسلة من الاختراقات الأمنية التي أدت إلى اغتيال قيادات عليا من الحرس الثوري ووزراء دفاع سابقين أثناء عقد اجتماعاتهم، مما يكشف عن ثغرات جوهرية في الجهاز الأمني الإيراني.
هذه العمليات، التي غالبًا ما تُنسب إلى الموساد، تعتمد على مزيج من التكنولوجيا المتقدمة والعملاء المزروعين داخل النظام، وتُعد جزءًا من حرب الظل المستمرة بين الطرفين.
الهدف الرئيسي هو تعطيل قدرة إيران على التخطيط العسكري، مع إرسال رسالة رعب إلى القيادة بأنه لا مكان آمن لهم.
تاريخ العمليات: من اغتيال محسن فخري زاده إلى ضربات قم
بدأت الاختراقات الاستخباراتية البارزة بتعقب العالم النووي محسن فخري زاده في نوفمبر 2020، حيث قُتل في عملية آلية قرب طهران باستخدام مسدس كلاشنيكوف مزود بذكاء اصطناعي واتصال بالأقمار الصناعية، مما يُظهر قدرة إسرائيل على الاستهداف الدقيق دون وجود فريق ميداني.
تطورت هذه القدرات في 2024 مع اغتيال قائد الحرس الثوري محمد رضا زاهدي في دمشق أثناء اجتماع في القنصلية الإيرانية، حيث اخترق الموساد الاتصالات الإيرانية لتحديد الموقع والتوقيت.
أما داخل إيران، ففي أغسطس 2025، أُبلغ عن مقتل ثلاثة قيادات من فيلق القدس في اجتماع سري بطهران، باستخدام طائرة مسيرة صغيرة أُطلقت من داخل البلاد، مما يشير إلى وجود شبكة عملاء محليين.
وزراء الدفاع لم يسلموا أيضًا؛ فقد نجا أمير حاتمي، وزير الدفاع الحالي، من محاولة اغتيال في اجتماع لجنة عسكرية عام 2024، لكن سابقه أحمد وحيدي قُتل في تفجير سيارته أثناء اجتماع في 2023، حسب تقارير إعلامية إيرانية معارضة.
هذه الحوادث تكشف نمطًا: الاستهداف يركز على اللحظات التي يجتمع فيها القادة لمناقشة الخطط النووية أو الصاروخية.
آليات الاختراق: تكنولوجيا وخيانة داخلية
تعتمد إسرائيل على ثلاث ركائز رئيسية في هذه العمليات:
أولًا، الاختراق الإلكتروني: في عملية "ستوكس نت" عام 2020، سرق الموساد 100 ألف وثيقة نووية من مستودع سري، مما سمح بتعقب القيادات المتورطة في البرامج السرية.
ثانيًا، استخدام الطائرات المسيرة النانوية والأسلحة الدقيقة، كما في اغتيال قاسم سليماني عام 2020، حيث اعتمدت معلومات استخباراتية دقيقة عن جدول اجتماعاته.
ثالثًا، تجنيد عملاء داخل إيران، خاصة من الطبقات المتوسطة المناهضة للنظام، الذين يوفرون بيانات عن الاجتماعات عبر تطبيقات مشفرة أو أجهزة محمولة مخترقة.
في حالة وزير الدفاع السابق يوسف بني يوسف، أُبلغ عن تورط سائق شخصي في تفجير سيارته أثناء اجتماع في 2025.
هذه الآليات تجعل الاجتماعات السرية أكثر خطرًا من المعارك المفتوحة، حيث تصبح الغرفة المغلقة فخًا قاتلًا بفضل الذكاء الاصطناعي في تحليل الاتصالات والتنبؤ بالحركات.
التأثير الاستراتيجي: شل القيادة وزرع الرعب
أدت هذه الاغتيالات إلى إعادة هيكلة القيادة العسكرية الإيرانية، مع تعيين قادة جدد أقل خبرة، مما أضعف التنسيق بين فيلق القدس والقوات البرية.
فقدان زاهدي وآخرين أدى إلى تأخير في تطوير الصواريخ الباليستية، كما اعترفت تقارير إيرانية رسمية.
نفسيًا، أحدثت حالة من البارانويا داخل النظام، حيث أصبحت الاجتماعات تُعقد عبر الفيديو أو في أماكن عشوائية، مما يبطئ اتخاذ القرارات.
بالنسبة لوزراء الدفاع، أصبح منصب الوزير هدفًا رئيسيًا، مما دفع طهران إلى تعزيز الحراسة الشخصية، لكن دون جدوى كاملة.
استراتيجيًا، تعززت هذه العمليات من ردع إيران عن التصعيد، خاصة بعد فشل هجماتها الصاروخية في 2024، وأجبرتها على إنفاق موارد هائلة في الأمن الداخلي بدلًا من البرامج العدوانية.
في النهاية، تمثل الاختراقات الاستخباراتية الإسرائيلية نموذجًا للحرب غير المتكافئة، حيث يحول الاستخبارات المتفوقة الضعف العددي إلى قوة قاتلة ضد إيران.
بينما تحقق إسرائيل نجاحات ميدانية ملموسة في شل القيادة الإيرانية، فإن استمرار هذه العمليات يعزز من عزيمة طهران على تطوير دفاعاتها، لكن الثغرات الداخلية والخيانات المحتملة تبقى التحدي الأكبر.
هذا الصراع ليس مجرد صراع قوى، بل سباق تكنولوجي ونفسي يحدد من يسيطر على غرف الاجتماعات قبل ساحات المعركة، مما يجعل المستقبل أكثر غموضًا وخطورة لكلا الطرفين.

