حذّر مسؤولون أميركيون سابقون في وزارتي الدفاع والخارجية من غياب خطة واضحة لدى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمرحلة ما بعد الضربات العسكرية على إيران، مؤكدين أن الاكتفاء بالقوة الجوية واستهداف القيادات لا يكفيان لإحداث تغيير سياسي مستدام، في ظل عدم وجود تصور عملي لليوم التالي أو لآلية انتقال سلطة منظّمة.

 

ويأتي هذا التقييم في وقت تعود فيه إلى الواجهة مقارنات مع غزو العراق عام 2003، حين حشدت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً واسعاً بخطط تفصيلية لإدارة الحرب وما بعدها. أما في المواجهة الحالية، فتتحرك واشنطن من دون قوات برية على الأرض، مع رسائل سياسية متباينة ودعوات مباشرة من ترامب للشعب الإيراني لتولي زمام الحكم عقب انتهاء الهجمات.

 

وفي تصريحات لصحيفة نيويورك تايمز، قال ترامب إنه يمتلك "ثلاثة مرشحين جيدين جداً" لقيادة إيران، من دون الكشف عن أسمائهم، مشيراً إلى أنه لن يعلن عنهم قبل "إنجاز المهمة".

 

غير أن هذه التصريحات أثارت تساؤلات حول مدى واقعية هذا الطرح، في ظل غياب مؤشرات عملية على وجود بديل جاهز داخل إيران.

 

رهانات تغيير النظام وحدود القوة الجوية

 

بعد أيام من الضربات واستهداف قيادات عسكرية، إضافة إلى دعوات متكررة لعناصر الحرس الثوري الإيراني والجيش والشرطة لإلقاء السلاح، لا تبدو هناك دلائل على انشقاقات مؤثرة داخل بنية النظام أو على بروز سلطة انتقالية قادرة على ملء أي فراغ محتمل.

 

الدبلوماسي الأميركي السابق وليام لورانس، مدير الدراسات الإقليمية في مجلس العلاقات الأميركية العربية، أوضح أن أهداف ترامب تتراوح بين تغيير النظام كلياً أو دفعه إلى تعديل سلوكه جذرياً وفق مطالب أميركية مباشرة، تشمل تعطيل البرنامج النووي، إنهاء التخصيب، تقويض القدرات الصاروخية، ووقف أنشطة الحلفاء الإقليميين لطهران.

 

لكنه شدد على أن "تغيير نظام سياسي من الجو فقط مهمة شديدة الصعوبة"، معتبراً أن الضربات قد تُضعف القيادة العليا، لكنها لا تكفي لإسقاط نظام مترسخ يمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية واسعة النفوذ.

 

ارتباك داخلي وتساؤلات حول ما بعد خامنئي

 

لورانس أشار أيضاً إلى وجود ارتباك داخل الإدارة الأميركية ومجتمع الاستخبارات بشأن سيناريو ما بعد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، موضحاً أن الخطط المطروحة – إن وُجدت – تبدو عامة وغير مفصلة زمنياً، ولا تتضمن برنامجاً عملياً لإدارة انتقال السلطة ساعة بساعة أو يوماً بيوم.

 

ويرى أن ترامب قد يكون أقل اهتماماً بتفاصيل من يتولى الحكم بقدر اهتمامه بتحقيق نتيجة سياسية يمكن تقديمها داخلياً كنصر، في إشارة إلى نماذج ضغط سياسي كما حدث في فنزويلا، وإن كان السياق الإيراني أكثر تعقيداً من حيث التماسك المؤسسي والحضور المجتمعي للنظام.

 

تباين مع إسرائيل في الأهداف والمدة

 

مصادر مطلعة تحدثت عن فروق في الأولويات بين واشنطن وإسرائيل، إذ تميل الإدارة الأميركية إلى عملية محدودة زمنياً، بينما تدفع تل أبيب نحو توسيع نطاق الهجمات وإطالة أمدها لاستهداف أكبر عدد ممكن من الأهداف العسكرية وتعطيل القدرات الإيرانية بشكل أعمق.

 

هذا التباين قد يتحول إلى عنصر ضغط في حال طال أمد المواجهة أو تباينت حسابات المكسب والخسارة بين الطرفين، خصوصاً إذا سعت إسرائيل إلى نتائج أكثر دراماتيكية مما تريده واشنطن.

 

تشكيك في القدرة على الحسم

 

المساعد الأسبق لوزير الدفاع الأميركي لورانس كورب اعتبر أن السؤال الجوهري يتمثل في: من سيتولى السلطة إذا سقطت القيادة الحالية؟ وهل توجد خطة أميركية أو إسرائيلية متكاملة لذلك؟ ورأى أن هذه الأسئلة كان ينبغي حسمها قبل بدء العمليات.

 

كورب لفت إلى أن إيران، التي يتجاوز عدد سكانها 90 مليون نسمة، أكبر وأكثر تعقيداً من العراق عام 2003، كما أن الولايات المتحدة لا تملك قوات برية هناك، ما يحدّ من قدرتها على فرض واقع سياسي جديد عبر القوة الجوية وحدها.

 

أما المحلل العسكري مارك كيميت، نائب مساعد وزير الدفاع الأسبق لشؤون الشرق الأوسط، فرأى أن الهدف قد لا يكون تغيير النظام بقدر ما هو التوصل إلى حكومة مستعدة لإنهاء البرنامج النووي والصاروخي ووقف سياسات المواجهة الإقليمية، مع ترك مسألة تغيير النظام للشعب الإيراني.

 

مخاطر الانفلات وفقدان السيطرة

 

الباحث جيسون إتش. كامبل حذر بدوره من الرهان على استراتيجية "قطع الرأس"، مؤكداً أن التجارب التاريخية تشير إلى أن الضربات الجوية نادراً ما أسقطت أنظمة راسخة بمفردها. وأشار إلى أن إيران أظهرت استعداداً عسكرياً أسرع من جولات سابقة، عبر الرد المبكر على أهداف في إسرائيل وقواعد أميركية في الخليج.

 

ويرى كامبل أن الإدارة الأميركية ربما أطلقت سلسلة من الأحداث يصعب التحكم بمسارها لاحقاً، حتى لو بقيت واشنطن اللاعب الأكثر تأثيراً. فسيناريوهات المرحلة المقبلة تتراوح بين صمود النظام، أو انخراطه في مفاوضات بشروط جديدة، أو دخول البلاد في مرحلة اضطراب ممتد تنعكس تداعياتها سياسياً واقتصادياً على المنطقة والعالم.