شهدت أسواق الطاقة العالمية تحولًا حادًا خلال تعاملات الجمعة، بعد قفزة قوية في أسعار النفط بلغت نحو 8% دفعت خام برنت لتجاوز 92 دولارًا للبرميل. الارتفاع جاء وسط قلق واسع في الأسواق بسبب التصعيد الجيوسياسي في الشرق الأوسط ومخاوف تعطل الملاحة في مضيق هرمز الذي يعد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

 

وجاءت هذه القفزة السعرية في ظل تقارير عن استهداف ناقلة نفط أمريكية قرب الحدود الكويتية، وهو ما زاد من توتر الأسواق ودفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الإمدادات العالمية. كما تزامن ذلك مع استمرار سياسة خفض الإنتاج التي يتبعها تحالف أوبك+، ما عزز توقعات استمرار الضغوط الصعودية على الأسعار خلال الفترة المقبلة.

 

ويرى الدكتور رمضان أبو العلا، أستاذ هندسة البترول وخبير الطاقة، أن ارتفاع الأسعار بهذه السرعة يعكس حساسية السوق لأي تهديد يطال طرق نقل النفط. ويقول إن مضيق هرمز يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، لذلك فإن أي اضطراب في الملاحة داخله ينعكس فورًا على الأسعار في الأسواق الدولية.

 

توترات الخليج تشعل أسعار الطاقة

 

جاء ارتفاع أسعار النفط نتيجة تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج، خصوصًا مع تجدد المواجهة غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة. وترافق ذلك مع مخاوف متزايدة من تعطل حركة السفن في مضيق هرمز الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.

 

التقارير الواردة عن استهداف ناقلة نفط أمريكية بالقرب من الحدود الكويتية رفعت مستوى القلق داخل أسواق الطاقة. فالمستثمرون يخشون من تكرار حوادث مشابهة قد تؤدي إلى تعطيل حركة الإمدادات القادمة من الخليج.

 

ويعد المضيق شريانًا رئيسيًا لنقل النفط من دول الخليج إلى الأسواق العالمية. وتشير تقديرات مؤسسات الطاقة إلى أن نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية تمر عبر هذا الممر البحري الضيق، ما يجعل أي تهديد أمني فيه عاملًا مؤثرًا بشكل مباشر على الأسعار.

 

ويقول الدكتور مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، إن الأسواق تتعامل بحساسية شديدة مع أي أحداث أمنية في منطقة الخليج. ويضيف أن المستثمرين يرفعون الأسعار تحسبًا لاحتمال تراجع الإمدادات، حتى لو لم يحدث توقف فعلي في الإنتاج.

 

ويشير يوسف إلى أن ارتفاع الأسعار بنسبة 8% في يوم واحد يعكس حجم القلق داخل الأسواق. فالمتعاملون يسعون إلى تأمين احتياجاتهم من النفط تحسبًا لأي اضطرابات قد تؤثر على حركة الشحن خلال الأسابيع المقبلة.

 

مخاوف من موجة تضخم عالمية

 

في ظل هذه التطورات، حذرت وكالة Fitch Ratings للتصنيف الائتماني من تداعيات اقتصادية أوسع قد تنتج عن تعطل الملاحة في مضيق هرمز. وأشارت الوكالة إلى أن شبه توقف الحركة في هذا الممر قد يفرض إعادة تسعير واسعة لأسواق النفط والغاز.

 

ووفق تقديرات الوكالة، فإن ارتفاع أسعار الطاقة لن يقتصر تأثيره على الوقود فقط، بل سيمتد إلى تكاليف الشحن والتأمين البحري. وهو ما قد يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية في الاقتصاد العالمي خلال الفترة المقبلة.

 

كما رجحت الوكالة أن تكون الأسواق الآسيوية الأكثر تعرضًا للأضرار المحتملة. فاقتصادات آسيا تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة القادمة من الخليج، ما يجعلها أكثر حساسية لأي اضطراب في الإمدادات.

 

وفي حال اضطرار السفن إلى استخدام طرق بديلة مثل طريق رأس الرجاء الصالح، فإن زمن الرحلات البحرية قد يزيد بنحو أسبوعين. هذا التأخير يمثل عبئًا إضافيًا على سلاسل الإمداد العالمية التي ما زالت تتعافى من اضطرابات السنوات الأخيرة.

 

ويرى الدكتور فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب المصري، أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس سريعًا على معدلات التضخم عالميًا. ويقول إن تكلفة النقل والطاقة تدخل في معظم الأنشطة الاقتصادية، لذلك فإن أي زيادة كبيرة في الأسعار تؤدي إلى موجة ارتفاع في أسعار السلع والخدمات.

 

ويضيف الفقي أن الدول المستوردة للطاقة ستكون الأكثر تأثرًا بهذه التطورات، لأنها ستتحمل فاتورة استيراد أعلى للوقود، ما يضغط على الموازنات العامة ويؤثر على أسعار الوقود في الأسواق المحلية.

 

توقعات بوصول النفط إلى 100 دولار

 

تزامن التصعيد الجيوسياسي مع استمرار سياسة خفض الإنتاج التي يتبعها تحالف أوبك+، وهو ما يزيد من احتمالات استمرار ارتفاع الأسعار خلال الأشهر المقبلة. فالتحالف يواصل تقليص المعروض النفطي بهدف دعم الأسعار في الأسواق العالمية.

 

هذا الوضع دفع عددًا من المحللين إلى توقع وصول سعر النفط إلى مستوى 100 دولار للبرميل قبل نهاية العام الجاري إذا استمرت التوترات في الخليج. فاجتماع عاملين رئيسيين، هما خفض الإنتاج وارتفاع المخاطر الجيوسياسية، يعزز الاتجاه الصعودي للأسعار.

 

ارتفاع النفط بهذا الشكل يثير مخاوف الحكومات والبنوك المركزية من موجة تضخم جديدة قد تضرب الاقتصاد العالمي. فأسعار الطاقة تمثل عنصرًا رئيسيًا في تكاليف الإنتاج والنقل، ما يجعلها عاملًا مؤثرًا في مستويات الأسعار داخل معظم الدول.

 

كما أن ارتفاع تكاليف الوقود قد يؤدي إلى زيادة أسعار الشحن البحري والجوي، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار السلع الغذائية والصناعية في الأسواق العالمية. هذه التطورات قد تزيد الضغوط على الاقتصادات التي ما زالت تواجه تحديات التضخم منذ عدة سنوات.

 

ويرى خبراء الطاقة أن مستقبل الأسعار خلال الفترة المقبلة سيعتمد بشكل كبير على مسار التوترات في منطقة الخليج. فإذا استمرت المخاوف بشأن سلامة الملاحة في مضيق هرمز، فقد تظل الأسعار مرتفعة لفترة أطول.

 

لكن في حال تراجع التوترات أو تدخلت القوى الدولية لضمان أمن الملاحة في المنطقة، فقد تهدأ الأسواق تدريجيًا. ومع ذلك تبقى أسواق الطاقة شديدة الحساسية لأي تطورات أمنية في الشرق الأوسط، نظرًا لدور المنطقة المحوري في إمدادات النفط العالمية.