دخلت البحرين، صباح السبت 7 مارس 2026، مرحلة أكثر حساسية في التوتر الإقليمي بعد دوي صفارات الإنذار 5 مرات منذ ساعات الفجر، في مشهد يعكس انتقال الحرب من حدود التهديد إلى مستوى الاستنفار اليومي داخل دول الخليج.
وزارة الداخلية البحرينية طلبت من المواطنين والمقيمين الهدوء والتوجه إلى أقرب مكان آمن، بينما أكدت تقارير ميدانية أن هذا الإنذار المتكرر جاء على خلفية هجمات إيرانية متواصلة على أهداف في المنطقة منذ 28 فبراير، عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران.
هذا التطور لا يضع البحرين وحدها تحت الضغط، بل يكشف أن دول الخليج التي حاولت البقاء خارج المواجهة المباشرة أصبحت تدفع ثمن حرب تتسع يومًا بعد يوم. فإيران تقول إن هجماتها تستهدف ما تعتبره “مصالح أمريكية”، لكن الوقائع على الأرض أظهرت أن بعض الضربات خلفت قتلى وجرحى وأضرارًا مدنية، وهو ما دفع مجلس التعاون الخليجي إلى إعلان تضامن كامل مع الدول المستهدفة، والتأكيد أن أمن دوله “غير قابل للتجزئة”.
ويرى بدر موسى السيف، الباحث الكويتي في Chatham House، أن ما جرى يكشف خطأً في تقدير حجم تعرض الخليج للخطر، موضحًا في تصريحات نقلتها AP أن الولايات المتحدة بدت وكأنها لم تتوقع هذا القدر من انكشاف حلفائها الخليجيين للهجمات الإيرانية. هذا التقييم يضع البحرين في صلب الأزمة، لا على هامشها، لأنها من أكثر الدول ارتباطًا بالترتيبات الأمنية الأمريكية في المنطقة.
إنذار متكرر ودولة في حالة تأهب
تكرار صفارات الإنذار 5 مرات خلال ساعات قليلة يعني أن البحرين تعيش حالة تأهب أمني غير معتادة. وزارة الداخلية اكتفت في بياناتها المختصرة بدعوة السكان إلى الهدوء والاحتماء في أماكن آمنة، وهو ما يشير إلى أن السلطات تتعامل مع تهديد متجدد وليس حادثًا منفردًا. ووفق تغطية AP، فإن صفارات جديدة دوت في البحرين حتى بعد تصريحات تهدئة صدرت عن الرئيس الإيراني، ما يعكس استمرار الاضطراب في الميدان.
وتكتسب البحرين حساسية خاصة لأنها تستضيف مقر الأسطول الخامس الأمريكي، وهو ما جعلها ضمن أولى الساحات التي استهدفتها الصواريخ والمسيّرات مع بداية الرد الإيراني. وكانت تقارير سابقة قد تحدثت منذ 28 فبراير 2026 عن استهداف مواقع مرتبطة بالوجود الأمريكي في البحرين، بالتزامن مع سماع صفارات الإنذار في المنامة. هذا الارتباط بين البنية الأمنية الأمريكية والجغرافيا الخليجية جعل البحرين مكشوفة أكثر من غيرها أمام تداعيات الحرب.
ويقول خالد الجابر، المدير التنفيذي لـمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تعيد كتابة حسابات الأمن الخليجي، لأن أي مواجهة من هذا النوع لا يمكن أن تبقى محصورة داخل إيران أو إسرائيل فقط. ووفق تحليله، فإن دول الخليج بنت خلال السنوات الماضية نموذجًا يقوم على الاستقرار والانفتاح الاقتصادي، لكن استمرار الضربات يهدد هذا النموذج مباشرة.
من استهداف المصالح الأمريكية إلى إصابة المجال المدني
إيران تصر على أن هجماتها موجهة إلى “المصالح الأمريكية” في المنطقة، لكن مسار الأحداث خلال الأسبوع الأخير أظهر أن الضربات تجاوزت هذا الإطار النظري. فبيانات AP وبيانات خليجية رسمية تحدثت عن أضرار في منشآت مدنية، وتعطل في حركة الطيران، وحالة ذعر عامة في عدة دول خليجية، من بينها البحرين. كما أن البيان المشترك الصادر في 1 مارس 2026 عن الولايات المتحدة والبحرين وعدة دول عربية أدان صراحة الهجمات الصاروخية والمسيّرات الإيرانية في المنطقة.
هذا الاتساع في نطاق الأهداف هو ما جعل الأزمة تتجاوز بعدها العسكري المباشر. فحين تتحول صفارات الإنذار إلى جزء من الحياة اليومية، وتصبح دعوات الاحتماء موجهة إلى السكان لا إلى الجنود فقط، فإن الرسالة السياسية تكون واضحة: دول الخليج لم تعد مجرد محيط للحرب، بل أحد مسارحها المباشرة. كما أن اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لجيران إيران عما أصابهم لا يغير من حقيقة أن الصواريخ والمسيّرات استمرت بعد ذلك، وفق ما نقلته AP.
وترى أليسون ماينور من Atlantic Council أن الخليج الذي سيخرج من هذه الحرب لن يكون كما كان قبلها، لأن الهجمات الإيرانية أصابت الفكرة الأساسية التي بنت عليها دول الخليج سياساتها في السنوات الأخيرة، وهي القدرة على الجمع بين الأمن والاستثمار والانفتاح. ومع انتقال الخطر إلى المطارات والموانئ والبنية المدنية، تصبح الكلفة الاقتصادية والأمنية للحرب أكبر من مجرد حسابات الردع العسكري.
البحرين تختبر حدود الحماية والردع
ما يجري في البحرين يفتح سؤالًا أوسع عن حدود الحماية الأمنية التي توفرها التحالفات الغربية لدول الخليج. فالدولة الصغيرة التي ترتبط بشبكة دفاعية أمريكية كثيفة، وتستضيف أحد أهم المقار البحرية الأمريكية، وجدت نفسها رغم ذلك أمام إنذارات متكررة وخطر مباشر على السكان. وهذا يفسر جانبًا من التوتر السياسي الذي ظهر في المنطقة، مع تقارير AP عن شعور خليجي بالاستياء من ضعف التحضير المسبق لحماية الحلفاء.
في المقابل، لا تبدو مؤشرات التهدئة كافية حتى الآن. فإيران تواصل إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل ودول في المنطقة، بينما تستمر الضربات الأمريكية والإسرائيلية داخل إيران. ومع كل جولة جديدة، تصبح البحرين أكثر اقترابًا من معادلة حرب مفتوحة لا تملك قرارها الكامل، لكنها تدفع جزءًا من كلفتها الأمنية والاقتصادية والإنسانية.
هكذا، لم تعد صفارات البحرين مجرد إجراء احترازي، بل صارت عنوانًا مكثفًا لتحول خطير في طبيعة الصراع. فالهجوم الإيراني الذي قيل إنه يستهدف خصومًا بعينهم، انتهى إلى وضع دولة خليجية بأكملها في حالة إنذار متكرر. ومع استمرار الحرب، يصبح السؤال الأهم ليس فقط متى تتوقف الصواريخ، بل كم دولة عربية أخرى ستدخل دائرة الإنذار المفتوح قبل أن يتوقف هذا التصعيد.

