كشفت إدارة دونالد ترامب خلال الساعات الماضية تناقضًا صارخًا في خطابها السياسي والاقتصادي، بعدما ألمحت إلى إمكان تخفيف القيود على مزيد من النفط الروسي لتهدئة سوق الطاقة، في وقت تشارك فيه في حرب مفتوحة بالمنطقة كانت هي نفسها أحد أسباب إشعالها.
جاء ذلك بعدما تجاوز خام برنت مستوى 93 دولارًا للبرميل، مع تحذيرات من إمكان صعوده إلى 100 دولار خلال أيام، بل وإلى 150 دولارًا إذا استمر تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز. بهذا المعنى، لا تبدو واشنطن أمام أزمة سوق فقط، بل أمام اعتراف عملي بأن الحرب التي ساهمت في توسيعها بدأت ترتد على الداخل الأمريكي نفسه، وأن شعار خنق موسكو بالعقوبات يصبح قابلًا للتراجع فور اقترابه من جيب المستهلك الأمريكي.
النفط الروسي يعود إلى الواجهة لأن واشنطن تخشى كلفة حربها
وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قال صراحة إن بلاده قد ترفع العقوبات عن مزيد من النفط الروسي، بعد يوم واحد فقط من منح واشنطن إعفاءً مؤقتًا لمدة 30 يومًا يسمح للهند بشراء شحنات روسية كانت عالقة في البحر. بيسنت برر الخطوة بالحاجة إلى تأمين الإمدادات وتخفيف الضغط على السوق خلال الحرب الجارية في الشرق الأوسط. التبرير في حد ذاته يكشف التحول: الإدارة التي استخدمت العقوبات لسنوات باعتبارها أداة ضغط على موسكو، عادت الآن لتتعامل مع النفط الروسي بوصفه صمام أمان لإنقاذ الأسعار، لا سلعة يجب محاصرتها.
هذا التحول لم يأت من فراغ. فالتصعيد العسكري في المنطقة أصاب سوق الطاقة في أكثر نقاطها حساسية، مع اضطراب الشحن في مضيق هرمز، الممر الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي. ومع صعود الأسعار إلى ما فوق 93 دولارًا، لم تعد واشنطن تتصرف بوصفها طرفًا يدير صراعًا جيوسياسيًا فقط، بل بوصفها حكومة تخشى انفجارًا في أسعار البنزين والتضخم داخل السوق الأمريكية. لذلك بدا القرار أقرب إلى اعتراف بأن الحرب لا يمكن خوضها من دون تكلفة، وأن هذه التكلفة تدفع الإدارة إلى إعادة فتح الباب أمام براميل روسية كانت حتى وقت قريب جزءًا من منظومة العقاب الغربي.
اللافت أن واشنطن حاولت تغليف الخطوة سياسيًا بالقول إن التخفيف لا يرتبط بتغيير موقفها من حرب أوكرانيا أو من سلوك موسكو في المفاوضات، بل يقتصر على الإمدادات المحمولة بالفعل على الناقلات وفي طريقها للتسليم. لكن هذا التفسير لا يغير جوهر الصورة. فعندما تسمح الإدارة بمرور النفط الروسي لأن السوق متوترة، فهي لا تدير استثناءً فنيًا صغيرًا، بل تؤكد أن حسابات الطاقة تتفوق في لحظة الأزمة على خطاب العقوبات نفسه.
السوق لا تخاف من نقص عابر بل من صدمة ممتدة
د. دان سترويفن، الرئيس المشارك لأبحاث السلع العالمية ورئيس أبحاث النفط في جولدمان ساكس، قدّم القراءة الأكثر مباشرة لما يجري. الرجل قال إن السوق أضافت علاوة مخاطر بنحو 14 دولارًا للبرميل بعد الحرب، وأن هذا التسعير يعادل تقريبًا أثر توقف كامل لتدفقات هرمز لمدة 4 أسابيع مع استخدام جزء من الطاقة البديلة للأنابيب. كما أوضح محللو البنك، بقيادته، أن برنت قد يصل إلى 100 دولار إذا استمرت القيود على التدفقات لأسابيع، بينما حذرت تقديرات أحدث من أن استمرار التعطل قد يدفع الأسعار إلى 150 دولارًا بنهاية مارس. هذه ليست مبالغة إعلامية، بل تقدير من مؤسسة مالية كبرى لحجم الصدمة المحتملة.
هنا يظهر التناقض الأمريكي بأوضح صورة. فالإدارة تتحدث عن بدائل سريعة لخفض الأسعار، من بينها السحب من الاحتياطي الاستراتيجي أو تخفيف القيود على الخام الروسي، لكن محللين كثر يرون أن المشكلة أعمق من مجرد نقص يمكن تعويضه بقرار واحد. جولدمان ساكس نفسه أشار إلى أن أثر الصدمة يرتبط بطول مدة التعطل وبقدرة المنتجين على استخدام مسارات بديلة. وإذا كانت الناقلات متوقفة والتأمين مرتفعًا والتوتر العسكري يتصاعد، فإن أي برميل إضافي من روسيا لن يكون كافيًا وحده لإعادة السوق إلى هدوئها السابق.
وتعزز هذه القراءة ما طرحته هليما كروفت، رئيسة استراتيجية السلع العالمية في RBC Capital Markets، التي ربطت مسار الأسعار بمدة الحرب ودرجة التعطل الفعلي في الإمدادات. كروفت كانت قد حذرت قبل أسابيع من أن استقرار السوق كان “وهمًا”، وأن أرضية الأسعار الجيوسياسية باتت أكثر هشاشة مع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط وأوروبا معًا. والآن تبدو هذه الخلاصة واقعية أكثر من أي وقت مضى: السوق ليست أمام حدث عسكري عابر، بل أمام اختبار لطاقة العالم وقدرته على امتصاص حرب ممتدة في قلب إمداداته.
واشنطن تنقذ السوق وتمنح موسكو متنفسًا جديدًا
المفارقة السياسية هنا فادحة. فكل برميل روسي يُسمح له بالوصول إلى السوق العالمية يعني عمليًا متنفسًا إضافيًا لموسكو، حتى لو حاولت واشنطن تسويق القرار باعتباره محدودًا ومؤقتًا. الهند، التي حصلت على نافذة أمريكية لمدة 30 يومًا لاستلام الشحنات العالقة، أوضحت بدورها أنها لا تحتاج “إذنًا” من أحد لتقرر سياسة مشترياتها النفطية. هذا الرد الهندي لم يكن تفصيلًا جانبيًا، بل إشارة إلى تراجع الهيبة الأمريكية نفسها: واشنطن تمنح إعفاء، بينما نيودلهي ترد بأن قرار الطاقة سيادي أصلًا.
سياسيًا، يبدو المشهد أقرب إلى إدارة أزمة صنعتها واشنطن ثم اضطرت إلى التعامل مع آثارها بأدوات تنقض خطابها السابق. فهي تريد الضغط على روسيا في أوكرانيا، لكنها تحتاج النفط الروسي في الشرق الأوسط. تريد خنق موسكو ماليًا، لكنها تبحث الآن عن “مئات الملايين من البراميل” الخاضعة للعقوبات لإعادتها إلى التداول. هذه ليست براجماتية ذكية بقدر ما هي ارتباك مكشوف: حرب جديدة تفضح حدود العقوبات القديمة، وسوق طاقة تفرض قواعدها على البيت الأبيض أسرع مما تفعل البيانات السياسية.
الخلاصة أن لجوء واشنطن إلى خيار النفط الروسي لا يكشف فقط أزمة معروض، بل يكشف مأزقًا سياسيًا كاملًا. فالإدارة الأمريكية التي ساهمت في تفجير الإقليم تعود الآن إلى الخصم الذي عاقبته طويلًا بحثًا عن براميل تهدئ السوق. وإذا كان الهدف المعلن هو منع النفط من القفز إلى 100 دولار ثم 150 دولارًا، فإن الرسالة الأوضح هي أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تربك الشرق الأوسط وحده، بل بدأت تربك أولويات واشنطن نفسها، وتجبرها على الاختيار بين شعارات العقوبات وحقائق السوق.

