"التموين كانوا هنا وأول ما الساعة جت ٣ غيروا الأسعار" جملة تلخّص الفضيحة اليومية في السوق المصري: حملات شكلية، حضور صوري، ثم انسحاب كامل يترك المواطن وحيدًا في مواجهة تجار لا يرون إلا الأرباح، وحكومة ترفع البنزين وتُقسم أن الأسعار "لن تتأثر" بينما الواقع يدوس الجميع. الشاكي هنا لا يهاجم التاجر فقط، بل يفضح منظومة كاملة تعرف متى تخرج للتصوير، ومتى تترك السوق ليلتهم جيب المواطن مع أول ساعة من الفجر.
حملات نهارية.. وأسعار ليلية منفلتة
وجود "التموين" في المحل قبل الساعة الثالثة يعني أن الدولة تعرف جيدًا أن التلاعب يحدث، لكنها تتعامل معه بمنطق "نعدّي اليوم قدام الكاميرات". ما إن تدق الساعة الثالثة – توقيت زيادة الوقود – حتى يختفي الرقيب وتظهر الزيادة الجديدة على الملصقات كأن شيئًا لم يكن. هذا السلوك يفضح أن الحملات ليست لضبط الأسعار، بل لضبط الصورة أمام الإعلام: صور عربيات التموين في الشارع، صور ضبط كراتين هنا وهناك، ثم يترك المواطن بعد ذلك وحيدًا أمام موجة ارتفاع جديدة.
لو كانت هناك إرادة حقيقية، لكان حضور التموين مستمرًا حتى الفجر في الليلة الأولى لرفع البنزين، لأن أبسط بديهة تقول إن التجار سيستغلون اللحظة فور سريان القرار. لكن ما يحدث هو العكس: الدولة تخبرك بالساعة التي سيرتفع فيها البنزين، وتترك للسوق أن "يستيقظ" على مزاجه بمجرد انصراف الموظف على دقّات التايم شيت.
رقابة تُطارد الفرشة.. وتترك الكبار يمرحون
"لو بتوع التموين يسهروا كده للفجر علشان يمنعوا الجشع والاستعباط في الأسعار كنا بقينا في حتة تانية" ليست مبالغة، بل تشخيص دقيق لأولويات جهاز رقابي يقسو على الصغير ويتغاضى عن الكبير. المعتاد أن نرى حملات على عربية خضار في نص الشارع أو محل صغير في حارة، بينما السلاسل الكبرى ومحطات الوقود وتجار الجملة يرفعون الأسعار قبل طلوع الشمس بلا أدنى خوف من مخالفة حقيقية تؤلم.
الجشع والاستعباط لا يأتيا من فرّان الحارة فقط، بل من منظومة كاملة تستغل كل زيادة رسمية لتُحمِّل المواطن أضعافها. رفع البنزين ثلاث جنيهات لا يبرر قفزة هستيرية في أسعار كل شيء من أول كيس المكرونة لغاية ركوب التوك توك في عز الليل، لكن غياب الرقابة الجادة يفتح الباب أمام منطق: "الحكومة رفعت.. يبقى إحنا كمان نولع". المشكلة ليست فقط في التاجر، بل في دولة تركت له رسالة ضمنية: "ارفع، فقط لا ترفع أمامنا".
دولة ترفع وتُنكر.. ومواطن يُدهَس بين التصريحات والملصقات
المفارقة القاسية أن نفس الدولة التي تطمئن الناس قبل الزيادة بأن "التموين لن يتأثر" و"السلع الأساسية مستقرة"، هي نفسها التي ترضى برقابة تنتهي قبل بدء موجة الارتفاع الفعلية. المواطن يسمع تصريحات ناعمة في المساء، ويصطدم بملصقات جديدة في الصباح، فيسأل نفسه: من يكذب عليه؟ الوزير الذي يعد بعدم زيادة الأسعار؟ أم الواقع الذي يصفعه على باب كل سوبرماركت ومخبز وكشك؟
هذا الانفصام بين الخطاب الرسمي وواقع السوق هو الذي يصنع شعور "الاستعباط" الذي عبّر عنه صاحب الشكوى. ليس فقط جشع تجار، بل إحساس بأن الدولة نفسها جزء من اللعبة: ترفع البنزين في توقيت محسوب، تترك الأسواق تضبط "سعرها الجديد" على حساب الناس، ثم تعود لتتحدث عن "حماية المستهلك" في بيانات مطمئنة لا تمنع جنيهًا واحدًا من أن يُضاف على سلعة واحدة.
لو سهر التموين مع المواطن.. لما سهر المواطن على هم الفاتورة
لو أن جهاز التموين يسهر الليالي الأولى لأي قرار زيادة، يراقب الفواتير، يثبت أسعار الضروريات، يضرب بجدية لا باستعراض، لكانت مصر فعلاً "في حتة تانية". لكن الواقع أننا أمام منظومة تحضر في الصورة وتغيب عند الفعل، تترك التجار يكتبون الأسعار الجديدة بمجرد أن تدق الساعة الثالثة. ما لم تتحول الرقابة من وردية صباحية إلى إرادة سياسية مستمرة، سيظل المواطن يستيقظ كل يوم على ملصق جديد، وجملة واحدة تتكرر في رأسه: "التموين كانوا هنا… بس سابونا لوحدنا ساعة الجد".

