أعاد الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله فتح ملف قديم وحساس في العلاقة بين القاهرة والخليج، حين قال إن الإمارات ودول الخليج أثبتت قدرتها على الدفاع عن نفسها بقدراتها الذاتية، وإنها لا تحتاج إلى مساعدة “دول عربية هشة” تعيش أزمات داخلية ولا تستطيع حتى الدفاع عن نفسها. هذا الكلام، حتى من دون تسمية مباشرة، فُهم في سياق واسع على أنه طعن سياسي في وزن مصر الإقليمي، وإحراج مباشر لخطاب عبد الفتاح السيسي الذي قدّم نفسه لسنوات باعتباره سندًا جاهزًا للخليج “مسافة السكة”.

تصريح إماراتي ينسف مجاملة قديمة

 

ما قاله عبد الخالق عبد الله لم يأتِ في لحظة عادية، بل خلال نقاش عن الحرب الجارية مع إيران وقدرة الخليج على امتصاص الضربات والرد عليها. في مقابلة مصورة مطلع مارس 2026، قال إن الإمارات امتلكت من الكفاءة الدفاعية ما يجعلها قادرة على التصدي للهجمات “بجنودها وبسواعدها وبقياداتها”، بل ذهب إلى المقارنة بين كفاءة دفاعاتها الجوية ونظيرتها الإسرائيلية، مؤكدًا أن دول الخليج لا تستظل بالولايات المتحدة كما يُقال، بل تتخذ قرار الدفاع أو الهجوم وفق حساباتها الخاصة.

هذه الصياغة تتجاوز الدفاع عن النفس إلى بناء سردية خليجية جديدة عنوانها الاستغناء عن المظلة العربية التقليدية. وعندما تُقرن هذه السردية بعبارة عن “دول عربية هشة” لا تستطيع الدفاع عن نفسها، يصبح من الصعب فصلها عن مصر، الدولة الأكبر عربيًا من حيث السكان والجيش، لكنها أيضًا الأكثر انكشافًا اقتصاديًا واعتمادًا على الدعم المالي الخليجي خلال السنوات الأخيرة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية حسن نافعة أن هذا النوع من التصريحات لا يمكن اعتباره مجرد رأي أكاديمي عابر، لأن قائله قريب من دوائر القرار الإماراتي ويعبّر غالبًا عن اتجاهات مزاج سياسي قائم بالفعل. وبرأيه، فإن الرسالة هنا مزدوجة: الخليج يريد الاعتراف بقدرته الذاتية، ويريد في الوقت نفسه تقليص القيمة الرمزية لدور مصر في معادلة أمنه.

أين ذهبت “مسافة السكة”؟

 

منذ 2014 و2015، رسخ عبد الفتاح السيسي في خطابه عبارة “مسافة السكة” بوصفها تعهدًا بأن مصر ستكون حاضرة متى تعرض أمن الخليج لتهديد حقيقي. وفي مقابلات وتصريحات لاحقة، كرر أن هذا الالتزام “موجود ومستمر”، وأن استقرار مصر من استقرار الخليج والعكس صحيح. هذه العبارة لم تكن مجرد مجاز بل تحولت إلى ركيزة دعائية في رسم صورة النظام باعتباره حارسًا للأمن العربي وصاحب كلمة لا تتبدل.

لكن الحرب الحالية مع إيران كشفت فجوة واضحة بين البلاغة والواقع. فالإمارات نفسها، عبر مسؤوليها وإحاطاتها الإعلامية، شددت على أنها تتعامل مع التطورات وفق قراءة استراتيجية متزنة وبإجراءات دفاعية واضحة، من دون أي حديث عن طلب سند عسكري مصري أو عربي. كما أن الخطاب الإماراتي الرسمي والرديف مضى في اتجاه إبراز الاكتفاء الدفاعي لا في اتجاه استدعاء “الأشقاء”.

هذا لا يعني أن مصر غابت سياسيًا تمامًا، لكنه يعني أن دورها لم يظهر بوصفه عنصرًا حاسمًا في معادلة الردع أو الحماية. الباحث في العلاقات الدولية طارق فهمي يقول إن الحرب الأخيرة أظهرت انتقال الخليج من الاعتماد على رمزية الحلف العربي إلى منطق القدرات الوطنية والتحالفات التقنية المباشرة، وهو تحول يضعف تلقائيًا قيمة الشعارات القديمة التي لم تُختبر عمليًا في الميدان.

إهانة سياسية أم توصيف قاسٍ للواقع؟

 

التعبير عن “الدول الهشة” يبدو، في جوهره، أكثر من مجرد توصيف أمني. فهو يلامس أزمات الاقتصاد والسياسة والقدرة العسكرية والتماسك الداخلي، وهي كلها ملفات تحيط بمصر منذ سنوات. لذلك لم يكن غريبًا أن يتلقى كثيرون كلام عبد الخالق عبد الله باعتباره إهانة سياسية مبطنة للقاهرة، أو على الأقل إعلانًا بأن الخليج لم يعد ينظر إلى مصر بوصفها الضامن الأول لأمنه.

غير أن قراءة أوسع للمشهد تكشف أن المسألة ليست مصر وحدها، بل تحوّل بنيوي في وعي الخليج بنفسه. تدريبات “درع الخليج 2026” المشتركة، والتوسع في أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، والخطاب المتكرر عن “الاستقلال الاستراتيجي”، كلها مؤشرات على أن دول الخليج تحاول إعادة تعريف أمنها بوصفه نابعًا من داخلها أولًا، ولو مع استمرار الشراكات الغربية.

 

الكاتب والمحلل وائل قنديل يرى أن جوهر الإحراج بالنسبة إلى القاهرة لا يقتصر على إشارة إماراتية مستفزة، بل في أن الوقائع نفسها صارت تضعف الرواية التي سوّقها النظام عن مكانة مصر في الإقليم. فحين تأتي لحظة التهديد المباشر، ولا تُستدعى “مسافة السكة”، فإن ذلك يفتح الباب لسؤال أشد إيلامًا: هل كانت العبارة وعدًا فعليًا أم مجرد أداة دعائية للاستهلاك السياسي؟

 

في المحصلة، لا يمكن الجزم بأن عبد الخالق عبد الله سمّى مصر صراحة، لكن من الصعب أيضًا إنكار أن القاهرة هي المقصود الأبرز في القراءة السياسية للتصريح. والأهم من النية هنا هو الأثر: الحرب مع إيران لم تُظهر مصر بوصفها سندًا حاسمًا للخليج، بل أظهرت الخليج وهو يقول، بثقة أو بتعالٍ، إنه لم يعد بحاجة إلى “الدول الهشة”. وبين هذه الرسالة وذلك الصمت المصري، يتآكل معنى “مسافة السكة” أكثر من أي وقت مضى.