تتصاعد موجة شائعات حول اختفاء بنيامين نتنياهو؛ تنتشر الروايات بسرعة عبر المنصات، وتربط بين غيابه وفرضية الاغتيال أو الإصابة، وتتزامن مع تصعيد عسكري إقليمي، وتضع المشهد الإعلامي أمام اختبار مصداقية حاد، وتفتح ملف إدارة المعلومات في زمن الحرب.

 

تشهد الساعات الماضية انفجارًا في تداول محتوى غير موثّق؛ يتصدر وسم "نتنياهو مات" قوائم الترند في عدة دول، ويعتمد الانتشار على مقاطع فيديو وصور مثيرة للشك، يفسرها بعض المستخدمين كدليل على اختفاء مفاجئ، ويتحول التفاعل الرقمي إلى مساحة خصبة للتكهنات، ويغيب التدقيق أمام سرعة التداول.

 

يرى مارك أوين جونز، الباحث في التضليل الرقمي، أن هذا النمط "يتكرر في أوقات الأزمات"، ويوضح أن الفراغ المعلوماتي يدفع المستخدمين لتصديق أي رواية بديلة، ويشير إلى أن الخوارزميات تضخم المحتوى الصادم، ما يخلق انطباعًا زائفًا بوجود أدلة قاطعة.

 

فيديو غامض وصور تفتح باب التشكيك؛ يبدأ الجدل بعد انتشار صور وفيديو يصفه متابعون بأنه "غير طبيعي"، ويركز البعض على تفاصيل بصرية مثيرة للريبة، ويتحدثون عن احتمال استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ويتحول النقاش من محتوى الفيديو إلى صدقيته، ويتسع المجال لنظريات تتحدث عن إخفاء معلومات حساسة.

 

 

 

يؤكد هاني فريد، خبير الأدلة الرقمية، أن تقييم الفيديوهات يحتاج أدوات تحقق دقيقة، ويقول إن "الانطباعات البصرية لا تكفي"، ويضيف أن انتشار تقنيات التزييف العميق يجعل التمييز أكثر صعوبة، ما يفرض مسؤولية أكبر على الإعلام في التحقق قبل النشر.

 

في المقابل، تتحرك الحكومة الإسرائيلية بسرعة؛ تنفي بشكل قاطع كل مزاعم الاغتيال، وتصفها بأنها حملة تضليل إعلامي، وتؤكد أن نتنياهو يمارس مهامه بشكل طبيعي، لكن النفي لا يوقف الجدل، بل يدفع البعض لمزيد من التشكيك في الرواية الرسمية.

 

أين يختبئ بنيامين نتنياهو؛ تتسع دائرة الشائعات حول مصير نتنياهو بالتوازي مع تشديد إسرائيلي غير مسبوق على تدفق المعلومات.

 

يكشف السفير عاطف سالم تقديرات متداولة داخل الأوساط الدبلوماسية، تشير إلى احتمالات اختباء رئيس الوزراء في مواقع محصنة تحت الأرض داخل القدس، ويربط ذلك بسوابق موثقة خلال 2023، عندما أدار نتنياهو اجتماعات حكومية من غرف عمليات تحت الأرض، ويشير إلى أن التصعيد الحالي قد يدفع لاستخدام منشآت أكثر تعقيدًا وتأمينًا، في ظل ارتفاع مستوى التهديدات المباشرة.

 

يوضح سالم أن بيئة الغموض الحالية ليست عفوية، ويربط انتشار شائعات الاغتيال بفرض تعتيم شبه كامل على المعلومات، ويؤكد أن إسرائيل تمنع تصوير المواقع التي تتعرض للقصف، ويشير إلى أن هذا الحظر يخلق فجوة معلوماتية واسعة،

 

وهذه الفجوة تتحول سريعًا إلى مساحة خصبة للشائعات، ويضيف أن الغموض هنا يُستخدم كأداة أمنية، ليس فقط لحماية المعلومات، بل لإدارة إدراك الخصم والرأي العام في آن واحد.يرى السفير أن ما يجري يتجاوز كونه مواجهة عسكرية تقليدية؛ يصفه بأنه حرب نفسية مكتملة الأركان، ويوضح أن إيران تروج لروايات عن نفاد الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية بهدف بث القلق، في المقابل تميل إسرائيل إلى تضخيم بعض الوقائع لخدمة أهداف عملياتية.

 

يشدد على أن الطرفين يعتمدان على وحدات متخصصة في حرب المعلومات؛ هذه الوحدات تدير الرسائل الإعلامية بدقة، وتستهدف التأثير على المعنويات بقدر استهداف القدرات العسكرية.

 

يشير أيضًا إلى أن القيود المفروضة داخل إسرائيل صارمة؛ تفرض السلطات غرامات وعقوبات كبيرة على أي محاولة لتصوير مواقع تم استهدافها، والهدف واضح، منع تداول صور قد تُفسر كنصر للخصم، لكن النتيجة العكسية تظهر سريعًا، إذ تتعدد الروايات ويتضارب ما يُنشر، ويصبح الوصول إلى الحقيقة محصورًا في نطاق ضيق، بينما يظل المجال العام مفتوحًا أمام تكهنات يصعب ضبطها أو التحقق منها.

 

نفي رسمي لا يوقف الأسئلة؛ يستمر الغموض بسبب غياب نسبي لنتنياهو عن بعض الظهورات العلنية، وتتزامن هذه الملاحظة مع تشديد أمني واضح حوله، ويربط محللون ذلك بارتفاع مستوى التهديدات، لكن غياب التوضيح التفصيلي يترك مساحة مفتوحة للتأويل.

 

يقول يوفال ديسكين، الرئيس السابق لجهاز الشاباك، إن "القيادات في أوقات الحرب تخضع لإجراءات أمنية غير معلنة"، ويوضح أن تقليل الظهور العلني إجراء معتاد، خاصة عند تصاعد التهديدات المباشرة، ويؤكد أن هذا لا يعني بالضرورة وجود إصابة أو اغتيال.

 

تدعم بيانات رسمية هذا الطرح؛ يشير الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الإسرائيلية إلى أن آخر اجتماع حكومي حضره نتنياهو كان في 12 مارس، وهذا التاريخ يتعارض مع شائعات اغتياله في 9 مارس، ويضعف الروايات التي تتحدث عن مقتله في غارة إيرانية.

 

حرب معلومات موازية للتصعيد العسكري؛ تتسع دائرة الشائعات مع تقارير إعلامية عن صور تظهر نتنياهو مصابًا وسط الركام، وتنتشر الصور دون مصدر واضح، وتتلقفها منصات التواصل، وتتحول إلى مادة للتضليل السريع، ويعاد تدويرها بصيغ مختلفة، ما يعقّد عملية التحقق.

 

تطرح تغطيات إعلامية احتمال غياب نتنياهو خارج إسرائيل، وتشير إلى أنه قد يدير العمليات من موقع غير معلن، وتفتح هذه الفرضية بابًا جديدًا للتكهنات، خاصة مع الحديث المتزامن عن اختفاء المرشد الإيراني، ما يعكس احتمال انتقال المواجهة إلى مستوى استخباراتي غير معلن.

 

يزيد التصعيد العسكري من حساسية المشهد؛ تتبادل إسرائيل وإيران تهديدات غير مسبوقة، ويعلن الحرس الثوري الإيراني تعهده بالانتقام من نتنياهو، ويربط ذلك بمقتل علي خامنئي في الضربات الأولى، وهذا التصريح يرفع مستوى التوتر، ويمنح الشائعات بيئة خصبة للانتشار.

 

يخلص المشهد إلى نتيجة واضحة؛ الفضاء الرقمي أصبح ساحة حرب موازية، تتداخل فيه المعلومات الصحيحة والمضللة، ويضع الجمهور أمام سيل متناقض من الروايات، ويجعل التحقق مهمة معقدة، في ظل غياب الشفافية الكاملة من الأطراف الرسمية.

 

تؤكد هذه الحالة أن إدارة المعلومات لم تعد تفصيلًا ثانويًا، بل عنصرًا حاسمًا في الصراع؛ كل فراغ في البيانات الرسمية يتحول فورًا إلى مادة للشائعات، وكل محتوى غير موثّق يجد طريقه إلى الانتشار، والنتيجة مشهد مرتبك، وحقيقة تتوارى خلف ضجيج رقمي متصاعد.