لم يعد ملف الدواء في مصر مجرد مسألة تسعير أو نقص أصناف أو خلاف بين شركات وصيدليات. المادة المرفقة ترسم صورة أوسع: سوق تضخم إلى أكثر من 50 مليار جنيه في أول شهرين من 2026، مع توقع تجاوزه 80 مليارًا في الربع الأول، بينما تتداخل فيه سلطة التنظيم مع مصلحة الاستثمار، ويتسع فيه نفوذ جهات سيادية وشركاء خليجيين على مفاصل الاستيراد والتوزيع والشراء الموحد والبيانات، لا على المصانع فقط. في هذا المشهد، يصبح السؤال ليس فقط لماذا يرتفع سعر الدواء، بل من يملك خريطة السوق أصلًا، ومن يقرر من يربح ومن يختفي.

 

سوق ينمو سريعًا.. والمريض يدفع الفاتورة مقدمًا

 

بحسب المادة المرفقة، بلغ إنفاق المصريين على الأدوية عبر الصيدليات 50 مليار جنيه خلال يناير وفبراير 2026، مع توقع ارتفاع المبيعات في مارس بما يرفع حجم السوق إلى أكثر من 80 مليار جنيه في الربع الأول وحده. هذا الاتساع لم ينعكس في زيادة المنافسة أو استقرار الأسعار، بل تزامن مع حديث صريح عن احتمال رفع أسعار الدواء 30% رغم وجود مخزون يكفي 10 شهور، وهو ما جعل الزيادة تبدو، في نظر منتقدين، تحركًا استباقيًا لحماية الأرباح لا استجابة لنقص وشيك في الإمدادات.

 

هذا التقدير يتقاطع مع ما قاله علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، حين أعلن أن تكاليف الشحن ارتفعت حتى 300%، ورسوم التأمين 50%، وأن استمرار هذه الضغوط مع الدولار فوق 50 جنيهًا قد يفرض تحريك الأسعار بنحو 30% بعد 3 أشهر، مع تأكيده أن المخزون الحالي يكفي 10 أشهر بين مواد خام ومخزون نهائي. الفارق أن تصريحات عوف تضع الزيادة في إطار كلفة الاستيراد والطاقة، بينما تدفع المادة المرفقة باتجاه سؤال آخر: لماذا يتحمل المريض دائمًا الثمن مقدمًا، حتى حين لا توجد أزمة نقص فورية؟

 

وفي هذا الإطار، يضيف الدكتور محمد توفيق، الباحث والخبير في سوق الدواء، أن الحديث عن “التوطين” لا يكفي وحده لحماية السوق إذا بقيت المادة الخام مستوردة، لأن السوق يظل عندها معرضًا لتقلبات الشحن والدولار وسلاسل الإمداد حتى لو جرى التصنيع النهائي محليًا. هذا الرأي يفسر كيف يمكن لسوق يحقق مبيعات ضخمة أن يبقى هشًا أمام أي صدمة خارجية، وأن تتحول الزيادة السعرية من استثناء إلى قاعدة متكررة.

 

السيطرة على المفاصل.. لا على المصانع فقط

 

المادة المرفقة لا تقول إن الإمارات تستحوذ مباشرة على مصانع الدواء الكبرى في مصر. هي تقول شيئًا أدق: النفوذ الحقيقي بُني عبر اللوجستيات، والشراء الموحد، والمكملات، والبيانات، بما يمنحها بين 30% و40% من “قوة التحكم” في السوق. في اللوجستيات وحدها، تتحدث المادة عن قطاع حجمه بين 0.8 و1.2 مليار دولار سنويًا، وتأثيره يتجاوز حجمه المالي لأن من يملك التخزين والنقل المبرد وإدارة المخازن يملك توقيت وصول الدواء وتوافره وقدرة الصيدليات الصغيرة على البقاء.

 

وفي الشراء الموحد للصيدليات، تضع المادة مركز الثقل الحقيقي للنفوذ. فهي تتحدث عن منصات تستثمر فيها صناديق مثل ADQ وChimera، وتتحكم فيما تشتريه الصيدليات، وبأي سعر، ومن أي شركة، في نشاط يتراوح حجمه بين 0.5 و0.8 مليار دولار الآن، مع قابلية للصعود إلى 1.5–2 مليار دولار خلال سنوات قليلة. وبما أن الصيدليات تمثل نحو 70% من مبيعات الدواء في مصر، فإن من يملك منصة الشراء يملك هامشًا واسعًا للتأثير في الأسعار وهوامش الربح وتوزيع المنتجات.

المشهد نفسه يمتد إلى المكملات الغذائية والأغذية الطبية، التي تصفها المادة بأنها مصدر الربح الأساسي للصيدليات أكثر من الأدوية نفسها، وإلى أنظمة التتبع وإدارة المخلفات الدوائية التي تمنح من يسيطر عليها بيانات حساسة عن الأصناف الأعلى مبيعًا والصيدليات الأكثر نشاطًا. هنا تبدو عبارة “من يملك البيانات يملك خريطة السوق” أكثر من توصيف بلاغي. هي توصيف مباشر لمصدر سلطة لا يظهر في واجهات المصانع لكنه يحدد اتجاه السوق في العمق.

في المقابل، تؤكد المادة أن الجزء الأكبر من التصنيع لا يزال في يد شركات مصرية خاصة تمثل 45% إلى 50% من السوق، مثل فاركو وإيبيكو وسيديكو وإيفا فارما، مع دور مهم لشركات التوزيع الكبرى مثل ابن سينا والمصرية لتجارة الأدوية، بينما يحتفظ القطاع الحكومي بنفوذ تنظيمي لا تجاري كامل. هذا يعني أن الأزمة ليست في ملكية المصنع وحدها، بل في انتقال مراكز التحكم الأشد حساسية إلى أطراف تملك التمويل والتنظيم واللوجستيات والبيانات في الوقت نفسه.

 

من لبن الأطفال إلى العزبي وUCP.. إعادة هندسة السوق خطوة بخطوة

 

تضع المادة نقطة البداية في أزمة لبن الأطفال عام 2016، حين اختفى اللبن المدعّم واصطفت الطوابير، ثم أعلنت القوات المسلحة استيراد شحنات ضخمة وبيعها عبر منافذها بسعر أقل من السوق. هذا التدخل قُدم وقتها كحل لأزمة، لكنه تحوّل، في قراءة المادة، إلى بوابة دخول مباشرة لجهات سيادية إلى قطاع دوائي-غذائي شديد الحساسية. بعد ذلك، بدأت صيدليات الإسعاف تتحول تدريجيًا من منافذ حكومية تقليدية إلى ذراع توزيع مرتبطة بمنظومة شراء موحد وتوزيع مركزي وتحكم في الأدوية الحساسة والناقصة.

 

وتجد هذه القراءة ما يدعمها في الوقائع المعلنة أيضًا. فقد أعلن صندوق مصر السيادي في 2023 إطلاق شركة EZ International بالشراكة مع B Investments وصيدليات العزبي لتقديم خدمات لوجستية وإدارية للصيدليات، إلى جانب خدمات توزيع وتجارة دوائية، كما أعلن قبلها استثمارًا يتجاوز 2 مليار جنيه في الرعاية الصحية وخدمات توزيع وتجارة الدواء. هذه ليست شائعات عن “وجود محتمل”. هذه خطوات معلنة تؤكد أن الصندوق دخل بالفعل قطاع الخدمات والتوزيع الدوائي.

 

أما في ملف العزبي وUCP، فالمادة تربط بين إنشاء صندوق فرعي للصحة والدواء داخل صندوق مصر السيادي، ثم القبض على صاحب صيدليات العزبي، ثم انهيار شركة المتحدة للأدوية UCP ودخول “جهة غير معلنة” إلى أصولها، مع ظهور شركات جديدة مرتبطة بالصندوق السيادي أو بشركات استثمار في نفس المجال. المادة لا تقدم هنا أحكامًا قضائية نهائية، لكنها ترسم تسلسلًا يعتبره كثيرون إعادة هندسة للسوق أكثر منه تصحيحًا تنظيميًا محايدًا.

 

وفي هذا السياق، يحذر الدكتور علاء غنام، خبير السياسات الصحية، من أن تأخر توطين صناعة المواد الأولية نحو 20 عامًا يعني أن المواطن سيظل يدفع ثمن هذا التأخير لسنوات. هذه الملاحظة تضرب جوهر الأزمة: حتى لو اتسعت السوق، وحتى لو تمددت المنصات والصناديق والشراكات، فإن غياب قاعدة إنتاج عميقة للمادة الخام يبقي السوق تابعًا للخارج، ويجعل أي مركزية في الإدارة أقرب إلى احتكار منظم لسوق هش، لا إلى إصلاح يحمي الحق في الدواء.

 

الخلاصة

 

الصورة الظاهرة الآن ليست عن سوق حر اختل توازنه، بل عن سوق يعاد ترتيبه فوقيًا. الإمارات تملك نفوذًا واسعًا في اللوجستيات والشراء الموحد والمكملات والبيانات. الجهات السيادية المصرية تمددت من لبن الأطفال إلى صيدليات الإسعاف ثم التوزيع والصيدليات والتسعير. والشركات الخاصة بقيت في التصنيع، لكنها لم تعد وحدها ممسكة بخطوط الحركة الأساسية. في قطاع يمس حياة كل بيت، يصبح أخطر ما في الأزمة أن الجهة التي تنظم قد تكون هي نفسها جزءًا من شبكة الربح، وأن المريض، مرة أخرى، يظل الحلقة الأضعف في سوق يتسع ماليًا وينكمش تنافسيًا.