فجر الأربعاء 25 مارس 2026، بدا المشهد أبعد ما يكون عن أي تهدئة حقيقية. إسرائيل أعلنت شن موجة غارات على البنية التحتية في أنحاء طهران. ووسائل إعلام إيرانية قالت إن الهجمات طالت منطقة سكنية، ودفعت رجال الإنقاذ إلى البحث بين الأنقاض. وفي التوقيت نفسه، كان دونالد ترمب يتحدث عن “تقدم” في جهود التفاوض لإنهاء الحرب، مع تقارير عن خطة أمريكية من 15 نقطة أُرسلت إلى طهران عبر وسطاء. هذا التزامن لا يعبّر عن مسار سلام. بل يكشف شيئا أبسط وأقسى: واشنطن وتل أبيب تواصلان القصف، ثم تطلبان من العالم التعامل مع الحرب كأنها تسير نحو التسوية. الوقائع على الأرض تقول العكس. القصف يتوسع. والقوات الأمريكية تتزايد. والخليج يدخل أكثر إلى قلب النيران.
التقارير الأمريكية أفادت بأن البنتاغون يستعد لإرسال 3000 جندي من القوات المحمولة جوا إلى الشرق الأوسط لتعزيز العمليات ضد إيران. هذه ليست إشارة دبلوماسية. هي إشارة عسكرية صريحة. من يعزز وجوده بقوات إضافية لا يتصرف كطرف ينتظر اختراقا سياسيا وشيكا، بل كطرف يستعد لجولة أطول وأشد كلفة. وفي اللحظة نفسها، كانت الكويت والسعودية تعلنان التصدي لهجمات جديدة بطائرات مسيرة، من دون تحديد الجهة التي أطلقتها، بينما قالت هيئة الطيران المدني الكويتية إن طائرات مسيرة استهدفت خزان وقود في مطار الكويت الدولي، ما أدى إلى حريق من دون خسائر بشرية. أي أن الحرب لم تعد محصورة بين طهران وتل أبيب. صارت تضرب الممرات المدنية والبنية الحيوية في الخليج مباشرة.
القصف يسبق السياسة
إسرائيل قالت إن غاراتها استهدفت بنى تحتية في أنحاء طهران. لكن رواية “شبكة أخبار الطلبة” الإيرانية عن استهداف منطقة سكنية تجعل المسألة أبعد من مجرد ضربات فنية على أهداف عسكرية. حين تصل الغارات إلى الأحياء السكنية، وتترافق مع أعمال إنقاذ بين الأنقاض، تصبح لغة “الضربات الدقيقة” أكثر هشاشة، ويصبح الحديث عن التهدئة مجرد غطاء سياسي لعمليات تتسع في العمق الإيراني. وهذا ما يجعل أي خطاب أمريكي عن “فرص واعدة” للاتفاق فاقدا للمصداقية ما دام القصف نفسه مستمرا في العاصمة.
الخبير العسكري نضال أبو زيد كان قد تحدث مبكرا عن أن استمرار الضربات المتبادلة يعني انتقال الحرب من مرحلة الصدمة الأولى إلى مرحلة انتزاع المبادرة. هذا التوصيف يفسر ما جرى فجر الأربعاء بدقة. فكل طرف يريد أن يقول إنه ما زال يملك اليد العليا. إسرائيل تقصف طهران لتثبت أنها قادرة على الوصول إلى العمق. وإيران ترفض أن تظهر بموقع المنكسر وتواصل الرد. لكن النتيجة الفعلية ليست حسمًا، بل استنزاف مفتوح. وهذا النوع من الحروب لا يقترب من نهايته كلما تكاثرت الضربات، بل يقترب من الاتساع والفوضى.
العميد حسن جوني كان قد حذر أيضا من أن الضربات الجوية، مهما توسعت، لا تضمن تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية النهائية إذا لم تكسر قدرة الخصم على الرد والتنظيم. وبعد 26 يوما من الحرب، يبدو هذا التحذير أكثر تماسكا من الخطاب الأمريكي نفسه. لا يوجد إسقاط سريع. لا يوجد استسلام إيراني. ولا توجد عودة إلى مسار تفاوضي ثابت. هناك فقط ضربات متبادلة، وخسائر تتوسع، ومحاولات أمريكية لتغليف هذا كله بخطاب سياسي أكثر نعومة من الواقع.
خطة من 15 نقطة لا توقف الصواريخ
تفاصيل الخطة الأمريكية من 15 نقطة، بحسب التقارير، تشمل تخفيفا للعقوبات، وضمانات تتصل بالملف النووي، وترتيبات تخص الصواريخ والملاحة. وقد وصلت إلى طهران عبر وسطاء من باكستان، مع حديث عن دور مصري في الاتصالات غير المباشرة. لكن قيمة أي خطة لا تُقاس بعدد بنودها، بل بقدرتها على وقف القتال. وحتى الآن لا شيء من ذلك حدث. إيران تنفي وجود مفاوضات مباشرة مع واشنطن، وتتعامل مع الخطة بريبة شديدة، بينما يواصل ترمب تسويقها كاختراق جدي. هذا التناقض يكفي وحده لفهم طبيعة اللحظة: واشنطن تريد أن تفاوض تحت القصف، لا بعد وقفه.
الخبير السياسي محمد صادق إسماعيل كان قد قال إن خطورة الحرب تتضاعف كلما اتسعت دوائرها الإقليمية. وهذه الملاحظة تبدو اليوم أقرب إلى الوصف المباشر منها إلى التحليل. لأن أي تفاوض يجري الآن لا يدور فقط بين إيران والولايات المتحدة، بل فوق خريطة نار تشمل إسرائيل والخليج ولبنان والممرات البحرية. وكل طرف إضافي يدخل دائرة الاشتباك يجعل التسوية أصعب، لأن كلفة التراجع ترتفع، ولأن الحرب تنتج يوميا وقائع جديدة على الأرض لا يمكن شطبها بورقة تفاوض واحدة.
الخليج لم يعد خارج الجبهة
إعلان الكويت والسعودية التصدي لهجمات جديدة بطائرات مسيرة يوضح أن الخليج لم يعد منطقة مراقبة أو ممر دعم فقط، بل صار جزءا من ميدان الحرب نفسه. وفي الكويت، لم يبق الأمر عند مستوى الاعتراضات الجوية فقط، بل وصل إلى استهداف خزان وقود في مطار الكويت الدولي واندلاع حريق. هذا تطور بالغ الخطورة. لأنه يعني أن منشأة مدنية حساسة دخلت بالفعل في نطاق الضربات، حتى لو لم تقع خسائر بشرية. وحين تتحول المطارات والخزانات والموانئ إلى أهداف محتملة، تتغير طبيعة الأزمة كلها. تصبح حربا على البنية المدنية، لا مجرد مواجهة بين جيوش.
التقارير الغربية ربطت هذه الهجمات بتزايد الإحباط الخليجي من تمدد الحرب، في وقت لا تريد فيه عواصم المنطقة الانجرار إلى مواجهة هجومية مباشرة، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى تشغيل دفاعاتها الجوية يوميا تقريبا. هذا هو الوجه الآخر للحرب الحالية. دول لا تريد القتال، لكنها تدفع ثمنه أمنيا واقتصاديا وبشريا. وكلما استمر القصف على طهران، واستمرت واشنطن في الدفع بقوات إضافية، ازداد احتمال أن تتوسع الضربات على الخليج لا أن تنحسر.
الخلاصة أن ما جرى فجر الأربعاء لا يدعم رواية التهدئة، بل ينسفها. غارات على طهران. خطة أمريكية لا توقف النار. 3000 جندي إضافي إلى الشرق الأوسط. ومسيرات تصل إلى مطار الكويت، فيما تعلن السعودية اعتراض هجمات جديدة. هذه ليست نهاية حرب. هذه مرحلة أكثر خطورة فيها، لأنها تجمع بين اتساع الميدان، واستمرار القصف، ومحاولة سياسية لتسويق ذلك كله باعتباره طريقا إلى السلام. الحقيقة أبسط. الحرب تتقدم أسرع من التفاوض.

