يتعامل الجيش الإسرائيلي مع جنوب لبنان بوصفه ساحة مفتوحة للتجريف العسكري، لا منطقة يسكنها مدنيون. أحدث فصول ذلك جاء مع إنذار عاجل وجّهه المتحدث باسم الجيش أفيخاي أدرعي إلى السكان جنوب نهر الزهراني، طالبهم فيه بإخلاء منازلهم والتوجه شمالًا، مع تكرار الرواية نفسها عن العمل ضد «نشاطات حزب الله» والتحذير من أن أي وجود قرب عناصر الحزب أو منشآته أو أي تحرك جنوبًا يعرّض المدنيين للخطر. الإنذار لم يأتِ منفصلًا. هو حلقة جديدة في سياسة توسعت من جنوب الليطاني إلى ما بعده، وسط غارات يومية، وعمليات برية، وتدمير للجسور، ودفع جماعي للسكان إلى الفرار.
#عاجل‼️ انذار عاجل إلى سكان جنوب لبنان المتواجدين جنوب نهر الزهراني
— افيخاي ادرعي (@AvichayAdraee) March 26, 2026
🔸إن نشاطات حزب الله الإرهابية تُجبر جيش الدفاع على العمل ضده بقوة في تلك المنطقة وهو لا ينوي المساس بكم.
🔴الغارات مستمرة حيث يعمل جيش الدفاع بقوة كبيرة في المنطقة. ولذلك وحرصًا على سلامتكم نعود ونناشدكم… pic.twitter.com/uNpUh6Y8Ir
إخلاء واسع وتمهيد بالقصف
الإنذار الإسرائيلي الجديد وسّع عمليًا نطاق الإخلاء إلى ما بعد نهر الليطاني وصولًا إلى الزهراني، أي إلى عمق أبعد من حدود المعركة التقليدية في الجنوب. هذا التوسع ترافق مع تدمير إسرائيل جسورًا عدة على الليطاني، ومع إعلان رسمي عن نية السيطرة على «منطقة أمنية» تمتد حتى النهر، الذي يبعد نحو 30 كيلومترًا عن الحدود في بعض النقاط. ووفق تقارير ميدانية، فقد دُمرت 7 جسور على الليطاني، بينما قالت الأمم المتحدة إن أوامر الإخلاء الواسعة طالت أكثر من 100 بلدة وقرية، وأثرت في مئات الآلاف، ما يجعل الامتثال لها بالغ الصعوبة ويطرح شبهة التهجير القسري لا مجرد التحذير العسكري.
هذا المعنى لم يعد محل جدل قانوني هامشي. الباحث رمزي قعيس من منظمة «هيومن رايتس ووتش» قال إن الفظائع تزدهر حين تغيب المحاسبة، وإن التهجير القسري والتدمير غير المبرر والاستهداف المتعمد للمدنيين جرائم حرب. أهمية هذا التوصيف أنه لا يتعامل مع إنذارات الإخلاء باعتبارها إجراءً إنسانيًا، بل يضعها في سياق أوسع من التهديد المفتوح للسكان، خصوصًا مع تصريحات إسرائيلية علنية عن منع مئات الآلاف من العودة إلى منازلهم جنوب الليطاني حتى إشعار غير معلوم.
قبل هذا الإنذار، كانت غارات إسرائيلية قد طالت مناطق متفرقة في الجنوب اللبناني في اليوم نفسه. وفي المقابل، أعلن حزب الله هجمات بطائرات مسيرة على قواعد إسرائيلية بينها قاعدة بوريا غرب بحيرة طبريا وقاعدة دادو قرب صفد وقاعدة مدفعية في مستوطنة شامير، كما قال إنه أطلق قذائف هاون على كريات شمونة ومطلة ونهاريا. هذا التبادل لا يبرر قلب الجنوب اللبناني إلى مساحة إخلاء مفتوحة. لأن القانون الدولي لا يعطي جيشًا حق اقتلاع السكان من شريط واسع ثم معاملتهم كخطر محتمل لمجرد بقائهم في بيوتهم.
منطقة أمنية أم احتلال متجدد
إسرائيل لم تعد تخفي هدفها. وزير دفاعها إسرائيل كاتس قال إنها ستنشئ «منطقة أمنية» حتى نهر الليطاني، ونتنياهو أعلن في 25 مارس أن بلاده أنشأت «منطقة أمنية حقيقية» لمنع التسلل نحو الجليل والحدود الشمالية، وأنها توسع هذه المنطقة لإبعاد تهديد الصواريخ المضادة للدروع وإقامة منطقة عازلة أوسع، مع تأكيده أن تفكيك حزب الله يبقى في صلب أهداف إسرائيل. هذا خطاب لا يتحدث عن عملية محدودة، بل عن إعادة تشكيل الخريطة بالقوة وفرض وقائع ميدانية تتجاوز الضربات الموضعية.
الباحث مهند حاج علي، من مركز كارنيغي في بيروت، قال إن إسرائيل أقامت بالفعل «درجات مختلفة من السيطرة». ووصف الشريط الحدودي الأول بأنه منطقة خالية تمامًا من الحركة، أشبه بساحة خالية تواجه إسرائيل مباشرة. هذا التوصيف مهم لأنه ينسف اللغة الإسرائيلية التي تقدم ما يجري كإجراء أمني مؤقت. حين تُقصف الجسور، ويُمنع السكان من العودة، ويُدفع الناس شمالًا، وتتحول قرى بكاملها إلى فراغ، فنحن أمام وقائع احتلال متدرج، حتى لو لم تُعلن الكلمة رسميًا.
ولفهم منطق الطرف الآخر، تقول ساريت زهافي، الضابطة الإسرائيلية السابقة ورئيسة معهد «ألما»، إن إسرائيل مرجح أن تنشئ نطاقًا أوسع من السيطرة شمالًا، رغم اعترافها بأن هزيمة حزب الله ليست مضمونة وأن ذلك قد يجر إلى وجود إسرائيلي طويل الأمد في الجنوب. هذه الشهادة تكشف التناقض في الرواية الإسرائيلية نفسها: الحديث عن الأمن يترافق مع اعتراف ضمني بأن المسار المفتوح الآن قد يتحول إلى مستنقع احتلال جديد، لا إلى حسم سريع.
المدنيون يدفعون الثمن وحدهم
على الأرض، يدفع اللبنانيون الفاتورة الكاملة. السلطات اللبنانية تتحدث عن أكثر من 1,000 قتيل منذ تصاعد الحرب في 2 مارس، وعن أكثر من مليون نازح. بيانات الإغاثة الدولية تشير إلى أن أكثر من 134 ألف شخص كانوا في 636 مركز إيواء جماعي حتى 19 مارس، بينما بقي آخرون خارج هذه المواقع في ترتيبات غير رسمية أو في الشوارع والساحات العامة. هذا يعني أن النزوح لم يعد حالة طوارئ قصيرة، بل أزمة سكن وحماية ومعيشة تتسع كل يوم.
في موازاة ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل جندي من لواء جولاني خلال القتال في جنوب لبنان، ليرتفع عدد قتلاه هناك هذا الشهر إلى 3، بعد مقتل جنديين في 8 مارس. كما بدأت إسرائيل في 9 مارس عملية برية وصفتها بالمحدودة، لكنها توسعت لاحقًا مع تعميق التوغل وقصف البنية التحتية. هذا يكشف أن تل أبيب، رغم تفوقها الجوي، لا تخوض حربًا نظيفة أو سريعة، بل حرب استنزاف تدفع ثمنها أولًا التجمعات المدنية التي تُمسح من الخريطة قبل أي حديث عن نتائج عسكرية حاسمة.
براين كاتولِس، الباحث في معهد الشرق الأوسط، حذر قبل يومين من أن الحملة العسكرية الإسرائيلية في لبنان صارت تحديًا مباشرًا لاستقرار المنطقة، في وقت ينشغل فيه الجميع بالحرب مع إيران. هذه الملاحظة تضع المسألة في حجمها الحقيقي. الجنوب اللبناني لم يعد جبهة جانبية. ما يجري هناك بات اختبارًا لما إذا كانت إسرائيل تكتفي بردع حزب الله، أم تمضي إلى إعادة احتلال فعلي مقنع باسم الأمن. وفي الحالتين، المدنيون هم من يُطلب منهم الرحيل أولًا، ثم الصمت على ما يُهدم بعدهم.
النهاية إن إنذار الإخلاء جنوب الزهراني ليس إجراءً منفصلًا ولا تفصيلًا عسكريًا عابرًا. هو إعلان صريح بأن إسرائيل توسع نطاق الحرب والنزوح معًا. تبدأ بإنذار، ثم قصف، ثم هدم للجسور، ثم حديث عن «منطقة أمنية»، ثم واقع جديد يصعب التراجع عنه. وبين كل خطوة وأخرى، يزداد عدد القتلى والنازحين، بينما يتراجع أي فارق عملي بين «العملية المحدودة» وفرض شريط احتلال جديد بالقوة.

