بدأت تحذيرات مجموعة «ماكواري» من احتمال صعود النفط إلى 200 دولار للبرميل كجرس إنذار جديد لسوق فقد توازنه تحت ضغط الحرب الإيرانية وتعطل المرور في مضيق هرمز، بعدما أبقت الأزمة خام برنت فوق 110 دولارات اليوم الجمعة 27 مارس 2026، في وقت سجل فيه الخام قفزة سابقة قاربت 120 دولارًا هذا الشهر، بما يعكس أن الخطر لم يعد افتراضيًا بل صار حاضرًا في التسعير اليومي للطاقة.
إغلاق المضيق يرفع السعر ويفضح هشاشة السوق
أوضحت «ماكواري» أن السيناريو الأكثر عنفًا يقوم على استمرار الحرب وإبقاء المضيق مغلقًا حتى نهاية الربع الثاني، وهو ما يمنح احتمالًا لوصول الخام إلى 200 دولار بنسبة 40%، بينما يقوم السيناريو المقابل على انتهاء الحرب بنهاية مارس بنسبة 60%، بما يعني أن السوق لا يتعامل مع أزمة عابرة بل مع مقامرة مفتوحة على توقيت كسر الحصار البحري.
ولفتت بيانات مؤسسات الطاقة إلى أن خطورة هرمز لا ترتبط بالرمزية السياسية فقط، لأن المضيق يمر عبره في الظروف العادية نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات، أي ما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل البترولية، بينما تؤكد وكالة الطاقة الدولية أن عودة الاستقرار الحقيقي تظل مرهونة باستئناف العبور المنتظم للسفن، لا بمجرد التصريحات العسكرية والدبلوماسية.
وفي ظل هذا الاختناق، لم تعد القفزة السعرية مجرد حركة مضاربة في شاشات المتعاملين، لأن الفجوة بين أسعار العقود وأسعار الإمدادات الفعلية اتسعت مع تعطل الشحنات وارتفاع تكلفة الوقود المكرر، وهو ما جعل السوق يدفع ثمن الحرب مرتين، مرة عند شراء الخام ومرة عند البحث عن بدائل فورية للتسليم، بينما يقترب المشترون الآسيويون من السوق الأميركية تحت ضغط الوقت لا تحت منطق الكلفة.
الخبراء يحذرون من صدمة طلب وتضخم يتجاوز قدرة الحكومات
وأكدت هليما كروفت، المحللة في «آر بي سي كابيتال ماركتس»، أن ما يحدد اتجاه السوق الآن ليس الضجيج السياسي بل حركة السفن نفسها، وهي إشارة تكشف أن الأزمة تجاوزت مرحلة الرسائل المتبادلة إلى مرحلة الاختبار الميداني لشبكات الإمداد، لأن أي يوم إضافي من التعطيل يدفع المستوردين إلى إعادة التسعير ويرفع كلفة التأمين والنقل ويزيد احتمالات النقص الفعلي في الوقود.
ويبين بن مارشال، الرئيس التنفيذي لـ«فيتول الأميركتين»، أن السوق ما زالت تراهن على إعادة فتح المضيق عاجلًا، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن بقاء الأسعار فوق 100 دولار يضغط على الطلب، بينما يتحول تجاوز 120 دولارًا إلى موجة «تدمير شديد» للطلب، بما يعني أن حاجز 200 دولار، إن تحقق، لن يكون مجرد رقم قياسي بل مقدمة لانكماش اقتصادي واسع.
وفي موازاة ذلك، ترى ناتاشا كانيفا، رئيسة أبحاث السلع العالمية في «جيه بي مورجان»، أن الإغلاق الممتد يدفع السوق نحو اختناقات لوجستية ونقص متتابع في الإمدادات، خصوصًا مع تراجع المخزونات وظهور إشارات مبكرة إلى شح فعلي في بعض المناطق، وهو تقدير ينسف خطاب الطمأنة الرسمي، لأن السوق لا تعاقب الخطر السياسي وحده بل تعاقب أيضًا التأخر في احتواء أثره على السلاسل التجارية.
قرار التأجيل لا يبدد الأزمة بل يرحّل الانفجار
وأشار المشهد السياسي إلى أن قرار الرئيس دونالد ترامب تأجيل استهداف مواقع الطاقة الإيرانية حتى 6 أبريل لم ينجح في تهدئة السوق، لأن المتعاملين قرأوا الخطوة بوصفها تأجيلًا للصدام لا تراجعًا عنه، خاصة أن تقارير بلومبرج أفادت بأن واشنطن ربطت كثيرًا من حساباتها بموعد استعادة المرور في هرمز، بينما استمرت الأسعار مرتفعة مع بقاء الشك أقوى من الوعود.
وفي خلفية هذا الارتباك، جاءت وكالة الطاقة الدولية لتضخ أكبر إفراج جماعي عن الاحتياطيات الطارئة في تاريخها، مؤكدة أن المخزون يوفر هامش حماية مهمًا لكنه لا يعوض غياب المرور الطبيعي عبر المضيق، وهي خلاصة تفضح حدود قدرة الحكومات على إدارة الأزمة من غرف الطوارئ، لأن الاحتياطي يشتري وقتًا قصيرًا لكنه لا يعيد بناء طريق بحري أُغلق بقوة النار.
ويرى المستثمرون الآن أن السوق تقف أمام اختبار تاريخي يتجاوز الذروة الاسمية المسجلة في يوليو 2008 عند 147.50 دولارًا للبرميل، لأن أي قفزة إلى 200 دولار ستعني عبورًا من أزمة أسعار إلى أزمة نمو وتضخم معًا، وهو ما بدأ ينعكس بالفعل على السندات والأسهم وتكاليف الوقود للمستهلكين، مع تحذيرات أوروبية من خسائر في النمو وارتفاعات إضافية في التضخم.
وفي ظل هذا المشهد، لا تبدو المسألة مجرد نزاع إقليمي يمكن عزله عن الاقتصاد العالمي، لأن الحرب حين تضرب شريانًا بحجم هرمز فإنها تنقل كلفة القرار العسكري مباشرة إلى فواتير النقل والغذاء والصناعة والكهرباء، وتضع الحكومات المستوردة أمام خيارين كلاهما مُر، إما شراء الطاقة بأسعار عقابية، أو ترك الأسواق المحلية تواجه نقصًا يفتح الباب على غضب اجتماعي واسع.
وأكدت المحصلة النهائية أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الأسعار قادرة على الارتفاع أكثر، بل من سيدفع ثمن هذا الارتفاع أولًا، لأن استمرار الإغلاق حتى نهاية يونيو يعني أن العالم سيدخل فصل الصيف وهو يحمل أزمة طاقة كاملة لا مجرد موجة مضاربة عابرة، وعندها لن يكون رقم 200 دولار ذروة نفطية فقط، بل شهادة فشل سياسي مدوية دفعت البشرية ثمنها من لقمة العيش والنمو والاستقرار.

