كشفَ إعلانُ مكتب أبو ظبي الإعلامي عن تعامل السلطات مع حادثتي حريق في محيط مناطق خليفة الاقتصادية، بعد اعتراض صاروخ باليستي في المنطقة، أن الحرب لم تعد محصورة في ساحات القتال التقليدية، بل صارت تضرب مباشرة مناطق المال والنقل والصناعة.
ومع اتساع رقعة الاستهداف، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بمن أطلق ومن اعترض، بل بمن سيدفع كلفة هذا التمدد العسكري في الاقتصاد والأمن معًا.
وأوضح هذا التطور أن الخليج لم يعد يقف على هامش المواجهة، لأن النيران التي اندلعت قرب مناطق خليفة الاقتصادية جاءت في لحظة إقليمية مشتعلة تشمل ضربات داخل إيران واعتراضات في سماء دمشق وإصابات داخل قاعدة الأمير سلطان في السعودية.
وحين تنتقل آثار الصواريخ من البيانات العسكرية إلى الموانئ والمناطق الصناعية والقواعد الجوية، فإن الحرب تكون قد تجاوزت الرسائل المتبادلة إلى مرحلة إنهاك الإقليم كله.
ولفتت الوقائع المتلاحقة إلى أن ما جرى في أبو ظبي لم يكن حادثًا منفصلًا، بل جزءًا من سلسلة ضغط إيرانية على بيئة إقليمية ترتبط فيها القواعد العسكرية بالمراكز اللوجستية وممرات التجارة والطاقة.
ولهذا بدا الحريقان قرب مناطق خليفة الاقتصادية أكثر من أثر جانبي لاعتراض ناجح، لأن مجرد وصول الشظايا إلى هذا النطاق يوجه رسالة بأن الحصانة الاقتصادية لم تعد قائمة كما كانت تُسوَّق سابقًا.
أبو ظبي والرياض في مرمى التصعيد المباشر
وأشار اتساع الهجمات إلى أن إيران باتت تختبر قدرة خصومها على الاحتمال في العمق الخليجي لا على الجبهات البعيدة فقط.
ففي السعودية، قال مسؤول أميركي لوكالة رويترز إن ضربة إيرانية على قاعدة الأمير سلطان الجوية أسفرت عن إصابة اثني عشر جنديًا أميركيًا، اثنان منهم في حالة خطيرة، بينما تحدثت مصادر أخرى عن إصابات لا تقل عن عشرة مع أضرار في طائرات للتزود بالوقود.
وهذه حصيلة تنسف أي ادعاء بأن الردع القائم يمنع الضربات المؤلمة.
وفي موازاة ذلك، ذكرت وسائل إعلام إيرانية أن مجمعَي فولاذ في أصفهان والأهواز تعرضا لضربات إسرائيلية، بينما أكدت إسرائيل استهداف منشآت نووية ومواقع مرتبطة بالبرنامج الذري من دون أن تؤكد رسميًا ضرب مصانع الصلب نفسها.
وهنا تظهر طبيعة الحرب الحالية، إذ تتداخل فيها الأهداف العسكرية بالصناعية، بما يعني أن كل طرف يحاول ضرب قدرة الآخر على الاستمرار الاقتصادي والنفسي، لا قدرته القتالية وحدها.
ويرى فراس مقصد، في قراءته لتطور الموقف الخليجي، أن استهداف دول الخليج بالصواريخ والمسيرات يدفعها إلى إعادة حساب علاقتها بالحرب وبالوجود العسكري الأميركي على أراضيها.
وأهمية هذا التقدير أنه يشرح لماذا لم يعد الاستهداف الإيراني مجرد رد انتقامي، بل محاولة لخلخلة معادلة الأمن الخليجي نفسها، عبر جعل كلفة الاستضافة العسكرية أعلى من كلفة الحياد.
دمشق وأصفهان تكشفان أن الحرب تتسع أفقيًا لا عموديًا فقط
ويبين سماع انفجارات في دمشق، وفق ما أوردته تغطيات ميدانية اليوم، أن الحرب لم تعد تتحرك في خط مستقيم بين إيران وإسرائيل أو بين إيران والولايات المتحدة، بل صارت تنتشر عبر المجال الجوي والدفاعات والاعتراضات في أكثر من عاصمة.
فحين تعلن وسائل إعلام سورية أن الأصوات نجمت عن اعتراض صواريخ إيرانية، فإن ذلك يعني أن المجال السوري بات جزءًا من المعركة اليومية المفتوحة، لا مجرد ساحة عبور عابرة.
وأكد هذا الاتساع أن منطق الاحتواء السريع يتراجع لحساب منطق الاستنزاف المتبادل.
فالهجمات على مصانع في أصفهان، والحرائق قرب مناطق خليفة، والإصابات في قاعدة الأمير سلطان، والانفجارات فوق دمشق، كلها وقائع تشير إلى أن الحرب تتوزع على حلقات مترابطة تضغط على الجيوش والاقتصادات والبنية التحتية في وقت واحد.
وهذا هو أخطر ما في المشهد، لأن اتساع المسارح يرفع احتمال الخطأ والحسابات المنفلتة.
وفي هذا السياق، قال راز زيمت من معهد دراسات الأمن القومي إن إيران تبدو مستعدة لحرب أطول مما يراهن عليه خصومها، وإنها لا تتصرف بعقلية الاستسلام السريع بل بعقلية الصمود المشروط والتفاوض من موقع التحمل.
وهذا التقدير يفسر لماذا تواصل طهران إرسال إشارات عسكرية مؤذية حتى وهي تتعرض لضربات ثقيلة، لأنها تراهن على أن خصومها سيتعبون سياسيًا واقتصاديًا قبل أن تنكسر هي عسكريًا.
الاقتصاد والطاقة يدفعان الثمن قبل توقف النار
وفي ظل هذا التمدد، لم تعد الخسارة محصورة في عدد الصواريخ المعترضة أو المصابين، بل انتقلت إلى الأسواق والتجارة والطاقة.
فقد حذر فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، من أن الحرب تمثل تهديدًا كبيرًا جدًا للاقتصاد العالمي، مع فقدان أكثر من أحد عشر مليون برميل نفط يوميًا ومئة وأربعين مليار متر مكعب من الغاز، وهو ما يتجاوز في أثره صدمات سابقة كبرى.
وهذه الأرقام تشرح لماذا يربك الحريق قرب منطقة اقتصادية في أبو ظبي العالم كله لا الإمارات وحدها.
وأكدت كارن يونغ، الباحثة المتخصصة في اقتصادات الخليج، أن دول الخليج تملك قدرًا من المرونة المالية، لكنها لم تختر هذه الحرب وتعرف أن التهديد الإيراني المطول يضع نماذجها الاقتصادية أمام اختبار قاس.
ومعنى ذلك أن الاحتياطيات والصناديق السيادية قد تخفف الصدمة، لكنها لا تلغي أثر القلق على النقل البحري والاستثمار والتأمين وكلفة الإمداد.
فالحرب حين تقترب من الموانئ والمناطق الصناعية تصبح مسألة ثقة قبل أن تكون مسألة حسابات.
وأشار هذا كله إلى أن أخطر ما في التصعيد الحالي ليس فقط عدد الجبهات، بل تآكل اليقين الذي قامت عليه رواية الاستقرار الخليجي طوال سنوات.
فالدول التي بنت صورتها على أنها واحات أعمال آمنة تجد نفسها الآن أمام نيران تصل إلى محيط المرافئ والمناطق الاقتصادية، بينما تكشف الضربات في السعودية والانفجارات في دمشق والضربات داخل إيران أن أحدًا لم يعد قادرًا على حصر الحرب داخل حدود مرسومة سلفًا.
وأخيرًا، لا يبدو ما جرى في محيط مناطق خليفة الاقتصادية حادثًا عابرًا يمكن احتواؤه ببيان طمأنة، بل علامة على أن الحرب تجاوزت بالفعل عتبة الردع التقليدي ودخلت مرحلة جعل الإقليم كله ساحة ضغط متبادل.
وإذا استمرت هذه المعادلة، فإن السؤال لن يكون فقط متى تتوقف الصواريخ، بل كم تبقى من استقرار اقتصادي وأمني يمكن إنقاذه قبل أن تتحول الحرائق المتفرقة إلى وضع إقليمي دائم لا يملك أحد السيطرة عليه.

