بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير ٢٠٢٦ على أساس ضربة سريعة تراهن على كسر الخصم في أيام قليلة، لكن مسار الشهر التالي أثبت العكس. فبدل الحسم السريع، دخلت إسرائيل في وضع استنزاف يومي تحت الصواريخ والإنذارات والاختباء، بينما اتسع نطاق الرد الإيراني والإقليمي، وتحوّل الداخل الإسرائيلي من ساحة تعبئة إلى ساحة ارتباك مكلفة سياسيًا وأمنيًا.

 

وأوضحت تطورات منتصف مارس أن الحرب لم تتوقف عند استهداف المنشآت الإيرانية، بل تصاعدت مع اغتيال علي لاريجاني، الذي أكدت إيران مقتله بعد إعلان إسرائيلي بذلك، في حلقة جديدة من الرهان على شل القيادة الإيرانية. غير أن النتيجة المباشرة لم تكن انهيارًا سياسيًا كما روجت تل أبيب، بل استمرار الضربات واتساع الردود، بما دل على أن اغتيال القادة لم يُنتج الأمن الذي وعدت به الحكومة الإسرائيلية جمهورها.

 

الملاجئ تكشف عجز الحماية لا قوة الجبهة الداخلية

 

ولفتت الأيام الأولى من الحرب إلى أن صورة الجبهة الداخلية الإسرائيلية التي جرى تسويقها لسنوات باعتبارها نموذجًا جاهزًا للطوارئ بدت أقل تماسكا عند الاختبار. فقد عادت الملاجئ إلى مركز الحياة اليومية في مدن عدة مع تواصل الصواريخ، وأصبح الدخول المتكرر إلى الأماكن المحصنة جزءًا من المشهد العادي، بما كشف أن المجتمع الذي قيل إنه محصن يعيش تحت ضغط إنذار مستمر لا تحت سيطرة كاملة.

 

ويبين ملف الملاجئ أن الأزمة لا تتعلق فقط بكثرة الصواريخ، بل أيضًا بعدم تكافؤ الحماية داخل إسرائيل نفسها. فصحف إسرائيلية وتقارير حقوقية محلية أشارت إلى فجوات كبيرة في التغطية، كما أكدت معطيات حديثة أن بلدات عربية كثيرة تعاني نقصًا حادًا في الملاجئ العامة، وأن عشرات الملاجئ القائمة أصلًا غير صالحة أو منخفضة الكفاءة، وهو ما يحول الحماية المدنية من حق متساو إلى امتياز موزع سياسيًا وجغرافيًا.

 

ويرى أوري غولدبرغ، المحلل السياسي الإسرائيلي، أن المشكلة لا تقتصر على حجم النار المتبادلة، بل تمتد إلى غياب رؤية سياسية واضحة للحرب نفسها، إذ قال مع بداية القتال إن أحدًا لم يطرح تصورًا استراتيجيًا واضحًا لها. وهذا التوصيف يفسر لماذا بدت الملاجئ في الداخل تعبيرًا عن مأزق قرار سياسي قبل أن تكون مجرد منشآت دفاع مدني تواجه خطرًا عسكريًا مباشرًا.

 

حسابات الردع انهارت حين امتدت الحرب بدل أن تُحسم

 

وأكد مسار الشهر الأول أن رهان إسرائيل والولايات المتحدة على حرب قصيرة لم يصمد أمام الوقائع. فوكالة أسوشيتد برس وصفت المواجهة بعد شهر بأنها حرب مع خصم يقاتل بأسلوب استنزافي يهدف إلى إيلام خصومه بأقل الموارد الممكنة، فيما نقلت مصادر أخرى أن طهران رفضت وقف النار وفق الشروط الأمريكية وطرحت مطالب مقابلة، ما يعني أن الحرب لم تنتج ردعًا سريعًا بل فتحت بابًا أوسع لمواجهة طويلة.

 

وفي موازاة ذلك، لم تعد الضربات المتجهة نحو الداخل الإسرائيلي حدثًا استثنائيًا يمكن احتواؤه بالخطاب الرسمي. فقد سجلت تقارير إخبارية سقوط صواريخ وإصابات وأضرار في مناطق مختلفة، مع انتقال التهديد من الجنوب إلى الوسط والشمال، ودخول أطراف مدعومة من إيران، منها الحوثيون، إلى ساحة الهجمات. وهذه التطورات تعني أن الجبهة التي أرادت تل أبيب حصرها في إيران فقط تحولت إلى ضغط إقليمي متعدد المسارات.

 

ويرى راز زيمت، مدير برنامج إيران ومحور المقاومة في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، أن إيران مستعدة لحرب أطول مما يراهن عليه خصومها، وأنها لا تتصرف بمنطق الاستسلام السريع. أهمية هذا التقدير أنه صادر عن باحث إسرائيلي مختص بإيران، لا عن خصوم إسرائيل، وهو ما يمنح خلاصة صريحة مفادها أن الحرب خرجت من منطق الضربة القاطعة إلى منطق الاستنزاف المفتوح.

 

التفاوت الداخلي يفضح خطاب الدولة ويضرب شرعية روايتها

 

وأشار الجدل حول الملاجئ إلى أن الحرب لم تكشف فقط حدود القوة العسكرية، بل كشفت أيضًا تفاوتًا بنيويًا داخل المجتمع الذي تدعي الدولة أنها تحميه على قدم المساواة. فقد أظهرت المعطيات أن عددًا ضئيلًا جدًا من الملاجئ العامة موجود في البلدات العربية، كما نقلت تقارير حديثة شكاوى رؤساء بلديات عرب من غياب أي ملجأ عام فعلي في بعض المدن، بما يحول الخطر الخارجي إلى مناسبة لظهور تمييز داخلي قديم.

 

وفي ظل هذا الواقع، تبدو الدعاية الرسمية عن “الجبهة الداخلية الصلبة” أقل إقناعًا من أي وقت مضى. فحين تكشف الحرب أن فئات واسعة لا تجد حماية متساوية، وأن الملاجئ نفسها موزعة على نحو مختل، فإن صورة الدولة القادرة على حماية الجميع تسقط تحت اختبار الوقائع. كما أن استمرار هذا الخلل أثناء الحرب يحول الفشل من مجرد تقصير إداري إلى مسألة تتصل بطبيعة الأولويات السياسية للدولة نفسها.

 

وترى مئيراف زونسزين، الباحثة والمحللة المختصة بالشأن الإسرائيلي، أن بنيامين نتنياهو أمضى سنوات وهو يدفع باتجاه جعل الحرب مع إيران تبدو حتمية ومتأخرة في آن واحد. ويكتسب هذا الرأي أهمية خاصة لأنه يربط بين القرار العسكري الحالي وبين مشروع سياسي طويل سبق الحرب نفسها، بما يعني أن الإسرائيليين يدفعون الآن ثمن خيار صاغته القيادة باعتباره مكسبًا مسبقًا لا مغامرة مفتوحة العواقب.

 

واختتمت الأسابيع الأربع الأولى من الحرب مشهدًا لا يمكن تجميله بسهولة. فإسرائيل التي دخلت المعركة على وعد الحسم السريع وجدت نفسها داخل إنذارات متواصلة، وملاجئ غير كافية، وجبهة داخلية مكشوفة على تفاوتها، وخصم لا يتصرف بمنطق الانكسار. ولهذا فإن أخطر ما كشفته الحرب ليس فقط قدرة إيران على الرد، بل عجز الاحتلال عن تحويل تفوقه الناري إلى أمن فعلي أو إلى رواية مقنعة أمام مجتمعه.