أعادت تصريحات كامل الوزير، وزير النقل، فتح ملف تمويل مشروعات النقل الكبرى في مصر، بعدما قال في برنامج «الحكاية» مع عمرو أديب إن الدولة بدأت تصنيع عربات المترو والسكك الحديدية محليًا، وإن المصنع الجديد سيبدأ الإنتاج في عيد العمال المقبل. وقدّم الوزير هذه الخطوة باعتبارها جزءًا من توجه رسمي لتوطين الصناعة وتقليل الاستيراد.
ثم إن الوزير ربط هذا التوجه بتبرير واضح لمصدر التمويل، إذ قال إن القروض الأجنبية التي حصلت عليها الدولة جاءت بفوائد ضئيلة وفي إطار اتفاقيات تنموية طويلة الأجل. وأضاف أن الأعمال الإنشائية في هذه المشروعات تنفذها شركات وعمالة مصرية، وأن أكثر من نصف التكلفة يُنفق داخل البلاد، بما يشمل حفر الأنفاق والبنية الأساسية والخدمات المرتبطة بها.
توطين الصناعة في خطاب الحكومة مقابل سؤال التمويل الخارجي
وبعد ذلك، انتقل الجدل من مسألة التصنيع المحلي نفسها إلى الطريقة التي تمول بها الدولة هذه المشروعات. فبينما تعرض الحكومة إنشاء مصانع لعربات المترو والسكك الحديدية باعتباره تحولًا صناعيًا، يرى متابعون أن هذا التحول يجري بالتوازي مع استمرار الاعتماد على الاقتراض الخارجي. ولذلك لم يعد السؤال متعلقًا بوجود المصنع فقط، بل صار متعلقًا أيضًا بكلفة هذا المسار على المالية العامة.
ومن هنا، جاء موقف الخبير الاقتصادي هاني توفيق بوصفه اعتراضًا مباشرًا على هذا المسار، إذ قال إن الاقتصاد المصري يواجه ضغوطًا مالية كبيرة بسبب تضخم الديون وضعف الاستثمار والإنتاج المحلي. وربط توفيق بين هذه الضغوط وبين غياب إصلاحات هيكلية عميقة، معتبرًا أن السياسات القائمة تعتمد على التقشف والجباية أكثر من اعتمادها على معالجة جذور الأزمة الاقتصادية.
كذلك، يكتسب هذا الاعتراض وزنًا إضافيًا لأن الحكومة تقدم التصنيع المحلي باعتباره مكسبًا اقتصاديًا في ذاته، بينما يلفت منتقدون إلى أن المكسب الصناعي لا ينفصل عن شروط التمويل. فإذا كانت خطوط الإنتاج الجديدة قد تأسست بقروض خارجية طويلة الأجل، فإن النقاش ينتقل تلقائيًا من قيمة التصنيع المحلي إلى قدرة الدولة لاحقًا على سداد أصل الدين وخدمته من دون تحميل الموازنة أعباء إضافية.
تحذيرات الخبراء من امتداد عبء الدين إلى الأجيال المقبلة
وفي هذا الإطار، قدّم ممدوح الولي قراءة أكثر حدة للوضع الاقتصادي، إذ قال إن الاقتصاد المصري يواجه خطرًا حقيقيًا، وإن المواطنين لا يعيشون وفق المؤشرات الرسمية التي تعرضها الحكومة. وربط الولي هذا التوصيف باستمرار الاعتماد على الاقتراض بدلًا من بناء قاعدة إنتاج محلي قادرة على توليد موارد مستدامة تغطي الالتزامات العامة وتخفف الضغط عن المجتمع.
ثم إن الولي أشار إلى أن التزامات سداد الديون الخارجية تمتد حتى عام 2071، وهو ما جعله يعتبر أن الأزمة لا ترتبط بسنة مالية واحدة أو بحكومة واحدة، بل تمتد آثارها إلى أجيال لاحقة. ويعني ذلك أن تكلفة المشروعات الممولة بالقروض لا تُقاس فقط بما أُنجز منها اليوم، بل أيضًا بما ستدفعه الدولة مستقبلًا في صورة أقساط وفوائد متراكمة.
وعلى هذا الأساس، يقول خبراء مستقلون إن تمويل مشروعات البنية التحتية الضخمة بقروض طويلة الأجل يجعل الأجيال المقبلة تتحمل الكلفة الفعلية عبر خدمة الدين، في وقت تحتاج فيه القطاعات الإنتاجية إلى تمويل مباشر يرفع الصادرات ويزيد القيمة المضافة. ولذلك يرى هؤلاء الخبراء أن ترتيب الأولويات المالية لم يعد مسألة فنية فقط، بل صار مسألة اجتماعية وسياسية أيضًا.
بين العائد الموعود وضعف القاعدة الإنتاجية
ومن جهة أخرى، لا ينكر منتقدو السياسات الحالية أن توطين صناعة عربات المترو والسكك الحديدية يمكن أن يقلل فاتورة الاستيراد وأن يخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. لكنهم يشددون على أن هذه الخطوة لن تحقق أثرًا مستدامًا وحدها ما لم تترافق مع سياسات تدعم القطاع الخاص وتوسع الصناعة الحقيقية وتزيد القدرة التصديرية، بحيث يصبح الإنتاج المحلي مصدر تمويل لا مجرد شعار حكومي.
وبالتالي، يربط هؤلاء بين التوسع في المشروعات العملاقة وبين استمرار نهج التمويل الخارجي، ويطرحون سؤالًا عمليًا لا دعائيًا: هل ستكفي العائدات المستقبلية لهذه المشروعات لتغطية الرواتب والصيانة والخدمات وسداد الديون معًا. ويزداد هذا السؤال إلحاحًا عندما ترتفع فوائد الدين في الموازنة، لأن أي زيادة في خدمته تقلص مساحة الإنفاق على القطاعات الأساسية والخدمات العامة.
وفي السياق نفسه، قال الخبير الاقتصادي محمد فؤاد إن أي حديث حكومي عن تراجع نسب الدين يظل مرتبطًا بمسارين واضحين، هما خفض رقم الدين نفسه أو رفع الناتج المحلي بمعدلات كافية. ويعني ذلك أن الاكتفاء بعرض نسب مستهدفة لا يحسم الجدل وحده، لأن الحكم النهائي يبقى مرهونًا بالأرقام الفعلية للدين وبقدرة الاقتصاد الحقيقي على توليد نمو منتج ومستقر.
وأخيرًا، يكشف هذا الجدل أن الأزمة لا تدور حول رفض التصنيع المحلي من حيث المبدأ، بل حول التناقض بين الاحتفاء الرسمي بتوطين الصناعة وبين استمرار التوسع في الاقتراض لتمويل المشروعات نفسها. ولهذا يبقى التحدي أمام الدولة هو إثبات أن هذه المشروعات ستدعم الإنتاج فعليًا وتخفف الاستدانة لاحقًا، لا أن تضيف عبئًا جديدًا إلى ميزانية مثقلة أصلًا بخدمة الديون والتزاماتها الممتدة.

