عندما يقول عمرو أديب إن مصر “لم تطلق رصاصة واحدة ولم يُطلق عليها صاروخ واحد لكنها متضررة من الحرب مثل الآخرين”، فهو يلمس جزءًا من الحقيقة، ثم يترك الحقيقة كلها على الطاولة. نعم، الحرب في غزة، والتوتر في البحر الأحمر، وضربات سلاسل الإمداد، كل ذلك أصاب الاقتصاد المصري في مقتل، خصوصًا عبر قناة السويس والطاقة والاستيراد.

 

لكن الأخطر من كلام أديب ليس ما قاله، بل ما تعمّد تجاهله: أن الاقتصاد المصري كان أصلًا مترنحًا قبل الحرب، مثقلًا بالدَّين، منهكًا بالتضخم، ومكشوفًا أمام الدولار، وأن السلطة نفسها هي التي بنت نموذجًا اقتصاديًا هشًا يقوم على الاستدانة والإنفاق الضخم وسوء ترتيب الأولويات، ثم جاءت الحرب لتفضح العطب لا لتخلقه من الصفر. سعر الدولار الرسمي بلغ في 29 مارس 2026 نحو 53.53 جنيه للبيع، وهو ما يجعل رقم “53 جنيهًا” الذي أشار إليه أديب قريبًا من الواقع، لكن تحويل هذا الرقم إلى نتيجة “حرب فقط” هو تبسيط سياسي وإعلامي يبرئ صانع القرار أكثر مما يشرح الأزمة.

 

 

أديب يبيع نصف الحقيقة.. والحكومة تشتري الصمت بالنصف الآخر

 

الضرر الخارجي حقيقي، لكن الإعلام الموالي للسلطة يتعامل معه كأنه الرواية الوحيدة. هذا تضليل صريح. فصندوق النقد الدولي لم يتدخل في مصر لأن صواريخ سقطت عليها، بل لأن الاختلالات كانت عميقة أصلًا: برنامج التسهيل الممدد مستمر، والمراجعة الرابعة أُنجزت في مارس 2025 ضمن حزمة إصلاح مرتبطة بسعر الصرف، ودور الدولة، والتمويل، والديون، بما يعني أن الأزمة بنيوية وليست مجرد أثر جانبي للحرب. وبحسب بيانات البنك المركزي، بلغ الدين الخارجي المصري 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو 2025، بزيادة 8.3 مليارات دولار عن العام السابق، وهو رقم لا يمكن تفسيره بقصف غزة أو اضطراب البحر الأحمر وحدهما، بل بسياسات اقتصادية راكمت الاعتماد على الاقتراض والتمويل الخارجي.

 

الحكومة تعرف ذلك جيدًا، لكنها تفضّل خطاب “الظرف الإقليمي” لأنه أقل كلفة سياسيًا من الاعتراف بأن الاقتصاد أُدير بمنطق الاستعراض لا الإنتاج. وحين يردد عمرو أديب أن مصر كانت تحارب تحدياتها الاقتصادية “في الوقت العادي وليس في وقت الحرب”، فهو يقترب من الإدانة ثم يتراجع عنها في اللحظة الأخيرة. لأن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تأثرت مصر بالحرب؟ بل: لماذا كانت مصر أصلًا بهذه الدرجة من الهشاشة بحيث تكفي صدمة إقليمية لتدفع الدولار فوق 53 جنيهًا، وتُبقي المجتمع تحت ضغط فواتير كهرباء ووقود وأسعار لا تهدأ؟ التضخم السنوي في مصر كان قد بلغ 13.4% في فبراير 2026 وفق البيانات المنقولة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بعد أن سجّل 13.1% في مارس 2025 وفق البنك المركزي، بينما ظلّت البطالة الرسمية عند 6.2% في الربع الرابع من 2025؛ أي أن “الاستقرار” الذي تروّج له السلطة لم يمنع استمرار الضغط المعيشي، بل أخفى عمقه خلف أرقام مجتزأة.

 

 

الحكومة ترفع البنزين والكهرباء ثم تطلب من الناس تصديق رواية الحرب

 

المواطن المصري لا يدفع ثمن الحرب فقط؛ هو يدفع أيضًا ثمن قرارات حكومية مباشرة. ففي يوليو 2024 رفعت الحكومة أسعار الوقود للمرة الثانية في العام نفسه، بنسب تراوحت تقريبًا بين 10% و15%، فارتفع سعر بنزين 80 من 11 إلى 12.25 جنيهًا، وبنزين 92 من 12.5 إلى 13.75 جنيهًا، وبنزين 95 من 13.5 إلى 15.5 جنيهًا، والسولار من 10 إلى 11.5 جنيهًا. كما أعلنت الحكومة بوضوح أن أسعار المنتجات البترولية ستتحرك تدريجيًا حتى نهاية 2025. هذه ليست نتائج تلقائية للحرب، بل سياسة تقشف وتسعير رسمية اتخذتها الدولة ضمن مسار تقليص الدعم.

 

والكهرباء ليست أفضل حالًا. فقد أعلنت وزارة الكهرباء مطلع 2024 زيادات تراوحت بين 7% و20% للاستخدامات المنزلية والتجارية، كما تُظهر تعريفة جهاز تنظيم الكهرباء أن الأسعار بُنيت أصلًا على سعر صرف 30.9 جنيه للدولار مع النص على إعادة النظر عند تغير سعر الصرف. معنى ذلك واضح: كل اهتزاز في الجنيه يُترجم تلقائيًا إلى ضغط إضافي على فاتورة الكهرباء والطاقة، أي أن الدولة نقلت جزءًا كبيرًا من المخاطر إلى المواطنين والشركات، ثم خرج إعلاميوها يشرحون الألم باعتباره “قدر الحرب”.

 

هنا يصبح خطاب عمرو أديب أكثر فجاجة من مجرد تعليق إعلامي؛ لأنه يعيد تدوير خطاب السلطة نفسه: نعم هناك أزمة، نعم الناس تشكو، نعم الدولار ارتفع، لكن السبب خارجي. هذه الصيغة مريحة للحكومة وقاسية على الحقيقة. فلو كانت الدولة قد بنت اقتصادًا أكثر إنتاجية، وأقل اعتمادًا على الاستيراد، وأخف ارتهانًا للديون الساخنة والعملات الأجنبية، لما تحولت كل أزمة إقليمية إلى زلزال اجتماعي داخلي. الحكومة لا تريد من المواطنين أن يسألوا لماذا ارتفع الوقود والكهرباء، بل فقط أن يخافوا من “الظرف الدولي”. وأديب لا يريد أن يضع إصبعه على المسؤولية السياسية كاملة؛ يريد أن ينفّس الغضب لا أن يوجّهه إلى مركز القرار.

 

قناة السويس تنزف.. لكن النزيف كشف فشل النموذج لا ظلم الجغرافيا فقط

 

أقوى ما في رواية أديب هو ما يتعلق بالخسائر الفعلية من الحرب الإقليمية، وهنا الأرقام لا ترحم. الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه قال إن مصر خسرت 7 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس في 2024 بسبب اضطرابات البحر الأحمر، كما نُقل عنه أيضًا أن القناة تخسر نحو 800 مليون دولار شهريًا بفعل التوترات الإقليمية. وتشير بيانات البنك المركزي المصري، كما نقلتها تقارير اقتصادية استنادًا إلى تقرير ميزان المدفوعات، إلى أن إيرادات قناة السويس هبطت بنحو 45.5% في السنة المالية 2024/2025 إلى 3.6 مليارات دولار مقابل 6.6 مليارات دولار قبلها. هذه أرقام ثقيلة فعلًا، وتؤكد أن مصر تلقت ضربة خارجية موجعة.

 

لكن حتى هنا، لا يجوز للحكومة أن تختبئ خلف الجغرافيا والسياسة الدولية. لأن الدولة التي تربط توازنها الخارجي بقناة السويس والتحويلات والسياحة والاقتراض، من دون قاعدة إنتاج وتصدير صلبة، هي دولة تصنع هشاشتها بيديها. وحين تتراجع إيرادات القناة، يظهر فورًا عجز التمويل، ويضغط الدولار، وتُعاد تسعير الكهرباء، وترتفع تكلفة النقل والغذاء، ثم يخرج علينا إعلام السلطة ليقول: “انظروا، الحرب أوجعتنا”. نعم أوجعتنا، لكن السؤال الأهم: لماذا كان الجسد الاقتصادي المصري ضعيف المناعة إلى هذا الحد؟ صندوق النقد ما زال يربط دعمه بإصلاحات هيكلية، والبنك المركزي ما زال يسجل ديونًا خارجية ضخمة، والخزانة العامة ما زالت تتحرك تحت عبء عجز مرتفع، إذ بلغ عجز الموازنة 881.7 مليار جنيه في النصف الأول من السنة المالية 2025/2026، بما يعادل 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق ما نقلته تقارير استنادًا إلى التقرير المالي الشهري لوزارة المالية.

 

أما العبارة المنسوبة إلى أن وزير الخارجية المصري “يخاطب نظيره الأميركي للمطالبة بمعونة لإنقاذ مصر من الإفلاس”، فلم أجد لها، في المصادر الرسمية التي راجعتها، سندًا مباشرًا بهذه الصياغة. المتاح رسميًا هو حديث عن الشراكة، والاستثمار، والمساعدات القائمة، والاتصالات السياسية المعتادة، إضافة إلى استمرار بيانات المساعدات الأميركية لمصر عبر القنوات المعروفة. لذلك فالأدق صحفيًا ألا تُقدَّم هذه الجملة كحقيقة ثابتة إلا إذا أُسندت بوثيقة أو تصريح مباشر.