أضطرت حكومة مصطفى مدبولي إلى طرح “سند المواطن” بعدما ضاق هامشها المالي وتزايدت الضغوط عليها من أكثر من اتجاه في وقت واحد. فصندوق النقد الدولي واصل ربط التمويل بتسريع تقليص دور الدولة وبيع الأصول، وسعر الدولار واصل الضغط على الجنيه، والحكومة لم تقدّم علاجًا يوقف اتساع الدين أو يخفف العجز من جذوره، فانتقلت إلى مدخرات المواطنين لتدبير تمويل جديد.
صندوق النقد يدفع والحكومة تبيع ما تملك
ثم ثبت في 26 فبراير 2026 أن صندوق النقد الدولي أتاح لمصر تمويلًا جديدًا يقارب 2.3 مليار دولار بعد استكمال مراجعات البرنامج، لكنه أعاد التشديد على الإصلاحات الهيكلية التي تشمل تقليص بصمة الدولة وتوسيع دور القطاع الخاص. هذا المسار لم يترك للحكومة مساحة سياسية واسعة، بل وضعها تحت ضغط مباشر لتقديم أصول الدولة كجزء من ثمن استمرار التمويل الخارجي.
وبعد هذا الضغط، لم تعرض الحكومة على المصريين خطة تنمية مستقلة تخفف الحاجة إلى الاقتراض، لكنها دفعت أكثر في اتجاه بيع الأصول وتسريع التخارج. تقارير صندوق النقد نفسها ربطت البرنامج بسياسة ملكية الدولة وتقليص حضورها الاقتصادي، وهذا الربط يوضح أن الحكومة لم تتجه إلى البيع لأنها وجدت فائض قوة، بل لأنها كانت تبحث عن سيولة سريعة لإرضاء الدائنين وتثبيت البرنامج.
وفي هذا السياق، قدّم الخبير الاقتصادي خالد الشافعي قراءة مؤيدة لسند المواطن باعتباره وسيلة لإشراك المصريين في تمويل الموازنة، لكن هذه القراءة نفسها تكشف المأزق. الحكومة التي تحتاج إلى بيع الأصول تحت ضغط الصندوق، ثم تحتاج في الوقت نفسه إلى جذب مدخرات الأفراد، تعترف عمليًا بأن مواردها المعتادة لم تعد تكفي، وأنها تتحرك من فجوة تمويل إلى فجوة تمويل أخرى.
هشاشة الاقتصاد ظهرت مع الدولار قبل أن تصل الحكومة إلى جيب المواطن
ثم جاءت حركة الدولار خلال مارس 2026 لتفضح هشاشة الوضع النقدي بدل أن تؤكد وجود استقرار فعلي. وكالة رويترز رصدت تجاوز الدولار مستوى 50 جنيهًا في 9 مارس 2026، كما أظهرت بيانات منصات المتابعة الاقتصادية أن الجنيه فقد نحو 9.7 بالمئة من قيمته خلال شهر واحد حتى أواخر مارس. هذا التراجع لم يكن رقمًا عابرًا، بل كان دليلًا مباشرًا على بقاء الضغط الخارجي قائمًا.
وبسبب هذا الارتفاع، زادت كلفة خدمة الالتزامات الخارجية وزادت حساسية السوق لأي نقص في التدفقات الدولارية. الحكومة لم تستطع أن تقول إن تحسن الجنيه صار راسخًا، لأن السوق نفسها قدّمت العكس خلال أسابيع قليلة. لذلك لم يعد ممكنًا تقديم “سند المواطن” باعتباره خطوة تنظيمية عادية، لأن توقيته ربطه مباشرة بأزمة سيولة وأزمة ثقة وأزمة تمويل تتراكم في آن واحد.
وفي المقابل، كان الخبير المصرفي محمد عبد العال قد ربط تحسن الجنيه في مطلع 2026 بتدفقات النقد الأجنبي وتحسن الموارد، لكن حركة مارس نسفت فكرة الاستقرار الكامل. حين يعود الدولار للصعود بهذه السرعة، تظهر حقيقة أوضح من أي خطاب رسمي: الاقتصاد ما زال هشًا، والحكومة ما زالت عاجزة عن تثبيت موارد مستدامة، ولذلك انتقلت من الاعتماد على الخارج إلى سحب السيولة من الداخل.
سند المواطن لم يحل الأزمة بل نقل عبء الاستدانة إلى الناس
ثم طرحت الحكومة “سند المواطن” يوم 22 فبراير 2026 بعائد سنوي ثابت 17.75 بالمئة لمدة 18 شهرًا، مع حد أدنى للاكتتاب يبلغ 10,000 جنيه، وطرحت الأداة عبر مكاتب البريد. هذه المواصفات تثبت أن الحكومة لم تذهب إلى إصلاح يقلل احتياجاتها التمويلية، لكنها قدّمت للمواطن دور المقرض المباشر للدولة، بعدما صار تمويل العجز من الداخل أكثر سهولة سياسيًا من مواجهة أصل الأزمة.
وبعد طرح السند، قالت كبيرة محللي الاقتصاد الكلي في “سي آي كابيتال” سارة سعادة إن الأداة تستهدف تنويع مصادر تمويل الديون الحكومية. هذا التوصيف المهني يقدّم الحقيقة بلا تجميل: الحكومة لم تخفض الدين، ولم تقلّص العجز، ولم توقف دوامة الاقتراض، لكنها فقط غيّرت الجهة التي تُقرضها. لهذا صار المواطن جزءًا من آلية تمويل الأزمة بدل أن يكون طرفًا محميًا منها.
كذلك كشفت تغطية “مدى مصر” أن الحد الأدنى لشراء السند يزيد بين 8 و20 ضعفًا على الحد الأدنى لعدد من الشهادات الادخارية في بنكي مصر والأهلي، كما أثارت قصر الطرح على البريد أسئلة عن الهدف الحقيقي من التصميم كله. هذه التفاصيل تهدم الرواية الحكومية عن توسيع الادخار الشعبي، لأنها تشير إلى أن الحكومة صممت الأداة أولًا لالتقاط السيولة، لا لحماية صغار المدخرين.
ولهذا السبب، لا يحل “سند المواطن” أصل المشكلة إذا كانت المشكلة هي اتساع الدين أو العجز، بل يغيّر فقط مصدر التمويل. العائد المرتفع نسبيًا يعني بقاء تكلفة خدمة الدين عند مستوى معتبر، أي أن الحكومة تؤجل المواجهة ولا تنهيها. الاقتراض من الشعب قد يكون أسهل سياسيًا من الاقتراض الخارجي، لكنه لا يلغي عبء السداد ولا يزيل الفوائد ولا يوقف دورة الاستدانة.
وأمام هذا التسلسل، تصبح الصورة أوضح من أن تُخفى خلف لغة الترويج الرسمي. صندوق النقد ضغط، والحكومة باعت أصولًا أو اندفعت إلى بيعها، والدولار ارتفع بما كشف هشاشة الاقتصاد، ثم لم يبق أمام الحكومة إلا أن تمد يدها إلى جيب المواطن عبر “سند المواطن”. هذا ليس مسار إصلاح يوقف الأزمة، بل مسار سلطة تؤجل الانفجار المالي وتوزع كلفته على المجتمع.
ومن ثم، لا يظهر “سند المواطن” كأداة ادخار بريئة أو كخيار مالي طبيعي في ظرف عادي، بل يظهر كحلقة أخيرة في سلسلة بدأت بضغط الصندوق، ثم مرت بهشاشة العملة، ثم وصلت إلى بيع الأصول، وانتهت بالاستلاف من الشعب. الحكومة هنا لم تعالج المرض، لكنها نقلت فاتورته من الدولة إلى الناس، ثم طلبت من الناس تمويل استمرار هذه السياسة نفسها

