دخلت الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران يومها الثالث والثلاثين فيما تتسع جبهاتها بدل أن تنكمش، وتتكشف معها كلفة سياسية وعسكرية وأمنية أكبر من الخطاب الأمريكي والإسرائيلي الذي حاول منذ البداية تقديم العدوان بوصفه عملية سريعة وحاسمة.
ففي الوقت الذي واصلت فيه إيران إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل والخليج، كانت جبهة جنوب لبنان تثبت أن تل أبيب لم تنجح في تحييد حزب الله، بل دفعت نفسها إلى اشتباكات برية مباشرة وسقوط قتلى وجرحى داخل جيشها.
كما أن اتساع الضربات على المدن والمنشآت والممرات البحرية جعل هذه الحرب تتجاوز حدود المواجهة التقليدية بين دولتين إلى أزمة إقليمية مفتوحة تضرب أمن الطاقة والملاحة والاقتصاد العالمي، وتكشف أن الإدارة الأمريكية لم تدخل هذه الحرب بخطة خروج واضحة، بل بخليط من الاندفاع العسكري والتصريحات المرتبكة والمواعيد المتناقضة.
وفي موازاة هذا التوسع الميداني، تواصل واشنطن إرسال إشارات متضاربة تجمع بين التهديد والدعوة إلى التفاوض، وبين الحديث عن تقدم في المحادثات والاستمرار في الحشد العسكري وتمويل الحرب بعشرات ومئات المليارات.
وقد أعلن البنتاغون إرسال آلاف الجنود الإضافيين إلى الشرق الأوسط، بينهم عناصر من الفرقة 82 المحمولة جوا، فيما كشفت تقارير أمريكية أن وزارة الدفاع طلبت 200 مليار دولار إضافية للحرب، وسط معارضة متزايدة في الكونغرس.
وفي الوقت نفسه واصل دونالد ترامب استخدام الحرب منصة للابتزاز السياسي والاقتصادي، إذ طالب الدول المتضررة من اضطراب مضيق هرمز بشراء وقود الطائرات من الولايات المتحدة، ودفعها إلى تحمل كلفة حماية الممر المائي الذي أشعلت واشنطن نفسها أزمته.
هذا التناقض بين الحرب والمساومة يكشف أن الإدارة الأمريكية لا تدير أزمة فقط، بل تدير فوضى صنعتها بيديها.
اشتباكات جنوب لبنان تكشف اتساع الاستنزاف الإسرائيلي
في هذا السياق أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل جنود وإصابة آخرين في معارك جنوب لبنان، بينما تحدثت تقارير إسرائيلية عن اشتباكات قريبة مع حزب الله استخدمت فيها الصواريخ المضادة للدروع خلال محاولات الإجلاء.
كما أكد الجيش الإسرائيلي ووسائل إعلام عبرية خلال الأيام الأخيرة مقتل وإصابة جنود في مواجهات متكررة داخل الجنوب اللبناني، وهو ما يثبت أن التوغل البري لم يحقق الحسم الذي تروج له تل أبيب.
وبعد ذلك صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس علنًا بإعلانه أن إسرائيل ستبقي “منطقة أمنية” في جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، وأن مئات آلاف اللبنانيين الذين نزحوا شمالًا لن يعودوا قبل تأمين شمال إسرائيل، مع تهديدات بتدمير المنازل القريبة من الحدود.
هذا الإعلان لا يقدم سياسة أمنية فقط، بل يكشف نية احتلال ممتد وفرض تهجير بالقوة تحت غطاء الحرب.
وفي هذا الإطار قال الباحث الفرنسي فرانسوا هايسبورغ إن الحديث الأمريكي عن فتح مضيق هرمز أو إدارة الحرب بوصفها عملية سهلة يتجاهل واقعًا أشد تعقيدًا، وأضاف أن من أشعل الفوضى لا يستطيع مطالبة الآخرين بتنظيفها.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة لأن المشهد اللبناني نفسه يبرهن أن الميدان لا يخضع للشعارات، وأن التقدم العسكري الإسرائيلي يواجه مقاومة تفرض عليه كلفة بشرية وسياسية متصاعدة.
الصواريخ الإيرانية تضرب العمق الإسرائيلي وترامب يحوّل الحرب إلى سوق
في الأثناء واصلت إيران إطلاق دفعات صاروخية باتجاه إسرائيل، وأعلنت الجبهة الداخلية الإسرائيلية إنذارات مبكرة بعد رصد هجمات نحو القدس ووسط البلاد، بينما أظهرت صور وتقارير من بني براك أضرارًا في سيارات ومبانٍ بعد سقوط ذخائر عنقودية أو شظايا صاروخية.
كما تحدثت تقارير إسرائيلية عن إصابات في المنطقة نفسها، بما يؤكد أن الدفاعات الإسرائيلية لم تمنع استمرار وصول النيران إلى العمق الحضري.
ثم جاء خطاب دونالد ترامب ليضيف إلى الفوضى العسكرية ابتزازًا اقتصاديًا مباشرًا، إذ قال إن الدول التي تواجه صعوبات في الوقود أو تتضرر من اضطراب مضيق هرمز ينبغي أن تشتري من الولايات المتحدة، وكرر أن على الدول المعتمدة على المضيق أن تتحرك بنفسها للسيطرة عليه.
هذا الكلام لا يصدر عن وسيط يبحث عن تهدئة، بل عن رئيس يحاول تحويل النار التي أشعلها إلى صفقة نفط وسلاح ونفوذ.
وفي هذا السياق قال فرانك هوفمان من معهد أبحاث السياسة الخارجية إن مضيق هرمز يمنح إيران أفضلية جغرافية واضحة، لأن الممر الضيق يقع تحت مدى الزوارق السريعة والصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
ويعني ذلك أن الحديث الترامبي عن “مناورة بسيطة” ليس فقط مضللًا، بل يتجاهل وقائع عسكرية صريحة تؤكد أن أي محاولة لفرض السيطرة على المضيق ستعني حربًا أوسع وكلفة أعلى.
واشنطن تفاوض بلسان وتحشد بلسان آخر وتفتح الباب لحرب أطول
في الوقت نفسه واصلت واشنطن الحديث عن قنوات اتصال مع إيران، إذ قال ماركو روبيو إن هناك رسائل ومحادثات عبر وسطاء، بينما قالت كارولاين ليفيت إن ترامب يريد التوصل إلى اتفاق قبل مهلة جديدة في 6 أبريل وإن المحادثات تشهد تقدمًا.
لكن هذا الخطاب الدبلوماسي جاء متزامنًا مع استمرار العمليات العسكرية ومع إعلان البنتاغون أن الهجمات على إيران ما زالت قائمة، وهو تناقض يفضح أن الحديث عن التفاوض لا يوقف منطق التصعيد.
وبعد ذلك كشفت تقارير أمريكية أن آلاف الجنود الإضافيين بدأوا الوصول إلى الشرق الأوسط، بينهم نحو ألفي جندي من الفرقة 82 المحمولة جوا، بما يوسع خيارات ترامب إلى ما هو أبعد من الضربات الجوية والبحرية.
كما أكدت تقارير أخرى أن وزارة الدفاع طلبت 200 مليار دولار إضافية للحرب، وأن هذا الطلب يواجه اعتراضات حادة في الكونغرس.
هذه الأرقام وحدها تكفي لنسف الادعاء بأن الحرب تحت السيطرة أو أنها تقترب من نهايتها.
وفي هذا الإطار قالت إيما سالزبري، الباحثة في معهد أبحاث السياسة الخارجية، إن أي وجود بحري في هرمز سيظل معرضًا بدرجة كبيرة لهجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية، وإن السيطرة على المضيق من دون مساهمات حليفة ستكون شديدة الصعوبة.
ويكتسب هذا التقدير أهمية مباشرة لأن البنتاغون يواصل الحشد بينما لا يملك ضمانة فعلية بأن توسيع الانتشار سيحقق أمناً للملاحة أو يفرض تراجعًا إيرانيًا سريعًا.
ثم إن التصريحات الأمريكية نفسها تعكس اضطرابًا سياسيًا واضحًا، لأن ترامب يتحدث عن اقتراب نهاية الحرب خلال أسابيع، بينما يواصل وزير دفاعه زيارة القوات في الشرق الأوسط والإشادة باستمرار العمليات، وتعلن إدارته طلب تمويل ضخم لمواصلة القتال.
هذا التباين لا يشي بإدارة متماسكة، بل يكشف أن واشنطن تحاول الجمع بين الحرب المفتوحة وبين تسويق وهم الخروج السريع لتخفيف الضغط الداخلي والخارجي.
وفي النهاية تثبت تطورات اليوم الثالث والثلاثين أن الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران لم تعد مجرد حملة جوية محدودة، بل صارت أزمة إقليمية مفتوحة تمتد من جنوب لبنان إلى تل أبيب إلى مضيق هرمز، وتكشف في كل يوم حدود القوة الإسرائيلية والأمريكية معًا.
كما تكشف أن خطاب الردع السريع انهار أمام صواريخ إيران ومقاومة حزب الله وتعقيدات المضائق والممرات والأسواق.
ولذلك فإن المشهد الحالي لا يشير إلى حسم قريب، بل إلى حرب يطول أمدها بينما تزداد كلفتها على شعوب المنطقة وأمنها واقتصادها، في وقت تواصل فيه واشنطن خلط الحرب بالمساومة، وتواصل فيه تل أبيب توسيع العدوان بلا أفق سياسي حقيقي.

