لم يعد تدهور التعليم في مصر خبرًا موسميًا يرتبط بنتيجة امتحان أو بصورة فصل مزدحم، بل صار واقعًا يوميًا تصنعه قرارات متلاحقة تنقل الأزمة من نقص الفصول إلى نقص المعلمين، ثم تضيف إليها تعطيلًا متكررًا للدراسة كلما واجهت الدولة ظرفًا طارئًا.
وفي هذا السياق، جاء قرار وقف الدراسة يومي 25 و26 مارس 2026 بدعوى سوء الأحوال الجوية، بعد سابقة مشابهة يوم 30 أبريل 2025، ليضع ملايين الطلاب داخل حلقة خسارة متواصلة في الزمن الدراسي، بينما تعلن الحكومة في الوقت نفسه أنها تسعى إلى علاج الكثافات ورفع الجودة.
هذا التناقض لا يحتاج إلى خطاب إنشائي لكشفه، لأن أرقام الوزارة نفسها تتحدث عن منظومة تضم أكثر من 25 مليون طالب، وتعاني عجزًا كبيرًا في الفصول والمعلمين، ثم تذهب إلى سحب أيام دراسة كاملة من عام دراسي مزدحم أصلًا، من دون أن تقدم للرأي العام كشفًا مقنعًا عن أثر هذه القرارات على التحصيل أو عن طريقة تعويض ما يضيع من وقت داخل الفصول.
ولا تنفصل هذه القرارات عن مناخ أوسع يدير به نظام عبد الفتاح السيسي ملفات الخدمة العامة، حيث تتراجع الأولويات التعليمية أمام اعتبارات إدارية ومالية وأمنية لا تضع الطالب في المركز.
تقارير دولية ومحلية تحدثت خلال العامين الأخيرين عن نقص حاد في الأبنية التعليمية، وكثافات مرتفعة، ومستويات متقدمة من فقر التعلم، بينما أقرت الوزارة نفسها بأنها تحتاج إلى 250000 فصل جديد، وأن العجز في المعلمين يقترب من نصف مليون وفق تصريحات الوزير في 2024.
وفي ظل هذا العجز الهيكلي، يصبح تعطيل الدراسة أكثر من إجراء احترازي، لأنه يتحول إلى حل سهل تدفع ثمنه الفصول الحكومية والطلاب الأضعف تحديدًا. لذلك لا تبدو الأزمة مجرد اضطراب عابر في الجدول، بل جزءًا من سياق أشمل تتراجع فيه قيمة المدرسة نفسها، وتصبح فيه الدولة أقدر على إلغاء اليوم الدراسي من قدرتها على إصلاح ما يتآكل داخل المنظومة التعليمية عامًا بعد عام.
منظومة مثقلة بالعجز قبل أي قرار تعطيل
لكن أول ما يكشف حجم الأزمة أن المنظومة كانت متعثرة أصلًا قبل أي إلغاء للدراسة.
وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف قال في سبتمبر 2024 إن مصر تعاني عجزًا في 250000 فصل وعجزًا كبيرًا في أعداد المعلمين، بينما أظهرت بيانات أخرى أن عدد الطلاب يتجاوز 25 مليونًا.
هذه الأرقام تعني أن المدرسة المصرية دخلت عامي 2025 و2026 وهي محملة بأزمة بنيوية سابقة على الطقس والقرارات الطارئة.
ثم إن هذه الأزمة لا تقف عند حدود المباني، لأن فقر التعلم صار مؤشرًا ثابتًا على ضعف المخرجات.
البنك الدولي أشار في موجزه لعام 2024 إلى أن 56 بالمئة من الأطفال في مصر عند سن المرحلة الابتدائية المتأخرة لا يستطيعون قراءة نص بسيط وفهمه على المستوى المطلوب.
هذا الرقم يضع المشكلة في صميم العملية التعليمية نفسها، لا في أطرافها الإدارية فقط.
وفي هذا السياق، قال الدكتور حسن شحاتة أستاذ المناهج بجامعة عين شمس إن التعليم الجيد يقوم على التفاعل بين المعلم والمتعلم، وإن هذا التفاعل لا يتحقق داخل فصل مرتفع الكثافة.
هذا التوصيف ينسجم مع واقع تعترف به الوزارة ذاتها، ويعني أن الطالب المصري يواجه أصلًا تعليمًا مضغوطًا قبل أن تخصم منه الدولة أيامًا إضافية باسم الظروف الاستثنائية.
إلغاءات الدراسة تخصم من الوقت في لحظة تراجع حادة
ثم جاء تعطيل الدراسة في 25 و26 مارس 2026 ليضيف خسارة جديدة إلى هذا الوضع القائم. الوزارة أعلنت أن القرار يشمل جميع المدارس بسبب سوء الأحوال الجوية المتوقعة، كما سبق لها أن علقت الدراسة يوم 30 أبريل 2025 للسبب نفسه. تكرار هذا المسار خلال أقل من عام يكشف أن الإلغاء الشامل صار أداة جاهزة، رغم أن المنظومة تعاني أصلًا نقصًا في الوقت الفعلي داخل الفصول.
وبسبب ذلك، لا يمكن التعامل مع كل يوم ملغى بوصفه تفصيلًا إداريًا محدود الأثر. حين تكون الكثافات مرتفعة، والعجز في المعلمين قائمًا، والتحصيل متراجعًا، فإن خسارة يومين أو أكثر من الدراسة لا تعني فقط تأجيل شرح درس، بل تعني تضييقًا إضافيًا على زمن التعلم في مدرسة تعاني أصلًا من ضغط الجدول واختصار الشرح والاعتماد المتزايد على الدروس خارجها.
وفي هذا الإطار، قالت الدكتورة منار غانم عضو المركز الإعلامي في هيئة الأرصاد إن الهيئة تقدم التقديرات الجوية، بينما تتخذ الجهات التنفيذية قرار التعطيل وفق تقديرها. هذا التحديد مهم لأنه يفصل بين وجود ظرف مناخي فعلي وبين قرار إداري واسع النطاق. لذلك يبقى السؤال مشروعًا حول ما إذا كانت الوزارة تملك معايير معلنة توزن بها كلفة الإلغاء أمام كلفة استمرار الدراسة.
النتيجة النهائية تقع على الطالب لا على صاحب القرار
لكن الأثر الأوضح لكل ذلك يقع على الطالب داخل المدرسة الحكومية تحديدًا، لأن هذا الطالب لا يملك بديلًا مستقرًا يعوضه عن اليوم الضائع. تقارير حقوقية ودولية وصفت التعليم في مصر بأنه يواجه نقصًا حادًا في التمويل، وأزمة مزمنة في ازدحام الفصول، بل إن بعض الفصول يتجاوز عدد طلابها المتوسط المعلن بكثير. وفي ظل هذا الواقع، يصبح أي تعطيل إضافي خصمًا مباشرًا من حق التعلم.
كما أن هذا الخصم لا يجري في فراغ سياسي، بل داخل مناخ عام تتراجع فيه الأولوية التعليمية لمصلحة حلول سريعة تعالج ظاهر المشكلة وتترك أصلها قائمًا. عبد الحفيظ طايل، مدير المركز المصري للحق في التعليم، كتب أن آلاف القرى والمناطق ما زالت محرومة من أشكال مدرسية كافية، وأن نقص الإنفاق والتنفيذ فتح الطريق أمام تفاقم التفاوت. هذا التقدير يربط بين ضعف البنية وبين هشاشة حق الطالب نفسه.
ولذلك، جاء تحذير الدكتور كمال مغيث أكثر مباشرة حين قال في يناير 2026 إن تقليص الساعات الدراسية ينعكس سلبًا على جودة الخريجين، وإن علاقة الدولة بملف التعليم تكشف أنها لا تتعامل معه بوصفه أولوية استراتيجية. هذا الرأي يفسر لماذا يبدو تعطيل الدراسة داخل مصر أكثر خطورة من مجرد قرار احترازي، لأنه يهبط على منظومة متردية أصلًا ويزيدها تآكلًا.
وفي الخاتمة، لا يحتاج الشارع إلى لغة مجازية كي يدرك أن الطالب المصري يدفع ثمن تراجع الدولة عن مسؤوليتها التعليمية. الوقائع الثابتة تقول إن النظام يدير مدرسة تعاني نقص الفصول والمعلمين، ومستويات مرتفعة من فقر التعلم، ثم يخصم من أيامها الدراسية كلما واجه ظرفًا طارئًا من دون أن يقدم علاجًا جذريًا أو تعويضًا واضحًا. بهذه الطريقة، لا يكتفي السيسي بإطفاء شوارع المدن تحت ضغط الأزمات، بل يدير سياسة تدفع التعليم نفسه إلى مزيد من الإظلام، وتترك طلاب مصر في مواجهة جهل تصنعه السلطة بقرارات معلنة وأرقام موثقة ونتائج يراها الجميع داخل كل فصل مكتظ وكل يوم دراسي مفقود.

