أعلنت الخارجية الإيرانية أن طهران تعد حاليًا نظامًا جديدًا للملاحة في مضيق هرمز بالتعاون مع دولة عربية لم تسمها، على أن يبدأ تطبيقه بعد انتهاء الحرب، بعدما وصل هذا الترتيب إلى مراحله النهائية.
ويحمل هذا الإعلان معنى سياسيًا وقانونيًا مباشرًا، لأن إيران لا تكتفي بإدارة الممر خلال الحرب، بل تتحرك منذ الآن لإعادة صياغة قواعد المرور بعد توقف القتال، بما ينقل هرمز من مساحة عبور تحكمها الترتيبات السابقة إلى مساحة تريد طهران أن تضع فيها قواعد جديدة ترتبط بالأمن والسيادة والتصاريح والتنسيق الإلزامي مع الدولتين الساحليتين.
يفتح هذا التطور مواجهة جديدة حول واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم، لأن إيران لا تعرض مجرد إجراءات تنظيمية فنية، بل تعرض تصورًا كاملًا لما بعد الحرب يقوم على فرض رسوم عبور، والحصول على توافقات مسبقة، وإبرام بروتوكول مع سلطنة عُمان، وإعادة تعريف العلاقة بين الدول الساحلية والسفن التجارية والعسكرية.
وبهذا المعنى، لا تبدو تصريحات طهران خطوة إدارية محدودة، بل تبدو إعلانًا عن انتقال سياسي وقانوني يهدف إلى تحويل نتائج الحرب إلى ترتيبات دائمة في المضيق، تمس التجارة والطاقة وحركة السفن والنفوذ الإقليمي معًا.
نظام ملاحي جديد بعد الحرب يربط المرور بموافقة إيران وعُمان
أعلنت الخارجية الإيرانية أن طهران تعمل حاليًا مع إحدى الدول العربية على إعداد نظام للملاحة في مضيق هرمز، على أن يبدأ تطبيقه بعد انتهاء الحرب.
ويكشف هذا الإعلان أن إيران لا تنظر إلى ما جرى بوصفه حدثًا عسكريًا عابرًا، بل بوصفه نقطة تأسيس لمرحلة جديدة تريد فيها إعادة ترتيب المرور البحري في المضيق على أسس مختلفة عن تلك التي كانت قائمة قبل الحرب.
ثم عزز نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون الدولية والقانونية كاظم غريب آبادي هذا الاتجاه عندما قال إن القواعد السابقة لعبور المضيق لن تبقى على حالها بعد انتهاء الحرب الراهنة.
ويعني هذا التصريح أن طهران اتخذت قرارًا سياسيًا واضحًا بمراجعة النظام السابق نفسه، لا مجرد تعديله في بعض الجوانب، وهو ما يضع مستقبل المرور البحري أمام لحظة إعادة تأسيس كاملة.
كما أوضح آبادي أن المضيق له ساحلان، أحدهما تحت سيطرة إيران والآخر تحت سيطرة سلطنة عُمان، وأن الدولتين تبذلان جهودًا لضمان سلامة وأمن حركة السفن.
لكن الجديد في كلامه لم يكن التذكير بالجغرافيا أو المسؤولية الساحلية، بل استخدام هذه الحقيقة للقول إن أمن المرور يجب أن يُبنى لاحقًا على موافقات وتراخيص وتوافقات مسبقة بين السفن والدولتين الساحليتين.
وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن بروتوكول جديد بين إيران وسلطنة عُمان خطوة مركزية لا تفصيلًا ثانويًا.
فقد قال آبادي إن طهران تدرس اتخاذ التدابير اللازمة للاتفاق على بروتوكول مع مسقط، بحيث يُطبق على جميع عمليات عبور السفن في إطار اتفاق بين الدولتين الساحليتين.
وهذا يعني أن إيران تتحرك لوضع صيغة مؤسسية دائمة تنظم المرور من زاوية أمنية وقانونية مشتركة.
ويرى الخبير في شؤون الخليج عبد الخالق عبد الله أن أي ترتيبات جديدة في هرمز لا يمكن التعامل معها بوصفها إجراءات محلية تخص طرفًا واحدًا، لأن المضيق نقطة تماس بين الأمن البحري والطاقة والسياسة الإقليمية.
وتكتسب هذه الإشارة معناها هنا لأن إيران لا تعرض مسألة فنية، بل تعرض بنية تنظيمية جديدة تمس توازنات المنطقة كلها بعد الحرب.
إيران تربط حرية العبور بالحرب وتدرس فرض رسوم على السفن
اعتبرت الدوائر الرسمية الإيرانية أن مضيق هرمز يظل مفتوحًا أمام الدول التي لا تشارك في الاعتداء على إيران، بينما يتسق منع الدول المعتدية من العبور، بحسب الرواية الإيرانية، مع القانون الدولي.
وبهذا الطرح، تحاول طهران نقل الجدل من سؤال حرية الملاحة المجردة إلى سؤال التمييز بين السفن والدول على أساس الموقف من الحرب الجارية عليها.
ثم نقلت التصريحات الإيرانية النقاش إلى مستوى أكثر حساسية حين أعلنت أن موضوع فرض رسوم على السفن العابرة ما زال قيد الدراسة.
وقال آبادي إن إيران ستحدد قريبًا رسومًا لعبور السفن من المضيق، وإن من المبكر الحديث عن القيمة الدقيقة لهذه الرسوم.
وهذا التطور لا يضيف عبئًا ماليًا فقط، بل يضيف أيضًا اعترافًا عمليًا بأن المرور لن يبقى مجانيًا أو تلقائيًا كما في السابق.
كما ربط آبادي هذه الرسوم بمسؤولية الدول الساحلية في ما يتعلق بمرور السفن التجارية والعسكرية، وهو ربط مهم لأن إيران لا تقدم الرسوم باعتبارها جباية مجردة، بل باعتبارها جزءًا من منظومة خدمات وأمن وضبط للممر.
وبهذا التفسير، تريد طهران أن تجعل الرسوم امتدادًا لحق تنظيمي وسيادي، لا مجرد قرار مالي ناتج عن الحرب والضغط السياسي.
لذلك، لا يبدو حديث إيران عن الرسوم منفصلًا عن قولها إن حالة الحرب تمنع تطبيق القواعد نفسها التي كانت سارية قبلها.
فحين تقول طهران إن الملاحة البحرية تواجه مشاكل جوهرية ناجمة عن العمليات العسكرية والعمل العدواني، فإنها تبني المبرر السياسي لتشديد الشروط وفرض الرسوم وإعادة تعريف المرور.
وهنا يتحول الممر الدولي إلى مساحة إعادة تفاوض بالقوة والواقع الجديد.
ويقول الخبير في القانون الدولي وائل علاء الدين إن الدول حين تربط تنظيم الممرات الاستراتيجية بحالة الحرب تسعى عادة إلى توسيع مفهوم الأمن الوقائي ليشمل الرسوم والتراخيص والإشراف المباشر.
وتوضح هذه القراءة معنى الموقف الإيراني الحالي، لأن طهران لا تكتفي بحماية المضيق من الأخطار، بل تريد أن تجعل إدارة العبور نفسها جزءًا من سيادتها السياسية بعد الحرب.
طهران تقدم القيود بوصفها تسهيلًا للملاحة لكنها تعيد تشكيل التوازن في المضيق
شدد آبادي على أن المتطلبات الجديدة لن تُطبق في صورة قيود، بل ستستهدف تسهيل حركة الملاحة وضمان المرور الآمن للسفن، فضلًا عن تقديم الخدمات للراغبين في العبور من دون عوائق.
وتحاول إيران عبر هذا الخطاب أن تقدم الترتيب الجديد باعتباره ضمانًا للأمن لا عقبة أمامه، حتى وهي تشترط التوافقات والتصاريح وتفتح باب الرسوم وإعادة ضبط القواعد.
ثم يكشف هذا التوصيف أن طهران تدرك الحساسية الدولية تجاه أي حديث عن إغلاق هرمز أو تحويله إلى أداة عقابية مباشرة.
ولذلك فهي لا تقول إنها ستغلق المضيق أو تمنع العبور العام، بل تقول إنها ستدير المرور عبر بروتوكول مشترك وخدمات وضمانات أمنية وتوافقات مسبقة.
لكن المضمون السياسي يبقى واضحًا، لأن من يملك منح التراخيص يملك أيضًا إعادة ترتيب القوة داخل الممر.
كما أن العمل على هذه المسألة في الوقت الراهن، قبل انتهاء الحرب، يؤكد أن إيران لا تنتظر ما ستؤول إليه الظروف الدولية حتى تبدأ التفكير، بل تبني منذ الآن صيغة ما بعد الحرب.
ويعني ذلك أن طهران تعتبر أن ما تحقق عسكريًا أو سياسيًا يجب أن يُترجم مباشرة إلى قواعد جديدة في المضيق، بحيث لا تعود المنطقة إلى ما كانت عليه قبل اندلاع المواجهة.
وفي هذا المعنى، يرى المحلل السياسي إبراهيم متفرج أن أخطر ما في الطرح الإيراني ليس فقط فرض الرسوم أو طلب التراخيص، بل تحويل الحرب نفسها إلى مصدر شرعية لترتيبات دائمة في هرمز.
وتكتسب هذه الإشارة قوتها لأن إيران لا تصوغ إجراءات مؤقتة، بل تصوغ نظامًا جديدًا تريد أن يعيش بعد الحرب ويعيد تعريف المرور البحري بما يخدم موقعها الإقليمي.
بعد ذلك، تصبح مسألة الدولة العربية التي تتعاون مع إيران في إعداد النظام الجديد عنصرًا إضافيًا في ثقل الإعلان، لأن طهران تعمدت القول إن الشريك عربي من دون تسميته.
وهذا الإخفاء لا يقلل من أهمية المعلومة، بل يزيدها وزنًا، لأنه يعني أن إيران تريد أن تظهر أن مشروعها في هرمز ليس أحاديًا بالكامل، بل يحاول أن يستند إلى تفاهم ساحلي أو إقليمي يمنحه مزيدًا من الشرعية السياسية.
وأخيرًا، تكشف التصريحات الإيرانية أن طهران لا تتعامل مع مضيق هرمز باعتباره فقط ساحة ضغط عسكري خلال الحرب، بل باعتباره ملفًا لإعادة البناء القانوني والسياسي بعدها. فقد أعلنت نظامًا جديدًا قيد الإعداد، وربطت العبور بالموافقات، ودرست الرسوم، وتحدثت عن بروتوكول مع عُمان، وقدمت كل ذلك بوصفه ضمانًا للأمن وسهولة المرور.
ولذلك لا يبدو ما يجري مجرد تعديل فني في الملاحة، بل محاولة واضحة لإعادة رسم قواعد هرمز بعد الحرب على مقاس القوة الجديدة التي تريد إيران تثبيتها في المنطقة.

