أظهرت أزمة الوقود الأخيرة فارقًا سياسيًا واضحًا بين حكومتين واجهتا الارتفاع نفسه في كلفة الطاقة، لكنهما اختارتا مسارين متناقضين في توزيع العبء. حكومة باكستان قررت، بعد زيادات حادة وضغط شعبي سريع، أن تتدخل بخفض سعر البنزين وتقديم دعم مباشر لقطاع النقل واتخاذ إجراءات تقشف داخل أجهزة الدولة. وفي المقابل، واصلت الحكومة المصرية خلال مارس رفع أسعار الوقود والطاقة والخدمات، ثم لجأت بعد ذلك إلى إجراءات استهلاك صارمة لتقليل الضغط على فاتورة الاستيراد. هذا التباين لا يخص أرقامًا مجردة، بل يخص سؤالًا مباشرًا يتعلق بمن يدفع ثمن الأزمة حين ترتفع أسعار النفط ويضيق هامش الحركة الاقتصادية.

 

يكشف المساران أيضًا اختلافًا في لغة القرار نفسه. رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف تحدث علنًا عن امتصاص جزء من الصدمة وعدم تمريرها كاملة إلى المواطنين، ثم خفّض سعر البنزين من 458.40 روبية إلى 378.40 روبية للتر بعد ساعات من الغضب والازدحام أمام المحطات. أما الحكومة المصرية فأعلنت في 10 مارس زيادة جديدة بواقع 3 جنيهات للتر على أنواع البنزين والسولار والغاز المستخدم للسيارات، ضمن مسار مستمر لتقليص الدعم. وبين القرارين يظهر الفارق بين دولة تحمل جانبًا من الكلفة ودولة تنقل الجزء الأكبر منها إلى المستهلك.

 

باكستان امتصت الصدمة سريعًا بعدما انفجرت الأسعار في وجه الحكومة

 

ثم جاءت الخطوة الباكستانية بعد موجة ارتفاع استثنائية دفعت سعر البنزين إلى 458.40 روبية وسعر الديزل إلى 520.35 روبية، مع تبرير رسمي ربط الزيادة بالحرب في الشرق الأوسط وتعطل الإمدادات. لكن الحكومة لم تكتف بهذا التبرير طويلًا، لأن الاحتجاجات والطوابير وضغط الفئات منخفضة الدخل دفعت شهباز شريف إلى إعلان خفض سريع للبنزين بمقدار 80 روبية وتثبيت السعر لشهر كامل.

 

وبعد هذا الخفض، وسعت السلطات الباكستانية حزمة التدخل لتشمل دعمًا مباشرًا لقطاع النقل وإتاحة النقل العام مجانًا لمدة ثلاثين يومًا في إسلام آباد والبنجاب، مع إعلان دعم موجّه للشاحنات والحافلات لتقليل أثر ارتفاع الوقود على الحركة اليومية ونقل السلع. هذا التوسع في الأدوات أوضح أن الحكومة رأت سريعًا أن أزمة الطاقة ستتحول إلى أزمة معيشة إذا تُركت الأسواق وحدها.

 

كما دعمت الحكومة هذه الحزمة بإجراءات تقشف داخل مؤسساتها، بعدما سبق لشهباز شريف أن أعلن خفض نفقات الدولة وتقليص استخدام الوقود في المركبات الحكومية وفرض قيود على الإنفاق الرسمي، في محاولة لإظهار أن الدولة تتحمل جزءًا من الكلفة قبل مطالبة المواطنين بالتحمل. هذا الربط بين الدعم الشعبي والتقشف الرسمي منح القرار بعدًا سياسيًا واضحًا لا مجرد أثر مالي محدود.

 

وفي هذا السياق، قال الأكاديمي والخبير الاقتصادي إس أكبار زيدي، مدير معهد إدارة الأعمال في كراتشي، إن الصدمة شديدة أصلًا رغم أن آثارها لم تُمرر بالكامل إلى المستهلكين والقطاع الصناعي بعد. هذا التقدير يفسر سبب استعجال الحكومة الباكستانية في التدخل، لأن ترك الأسعار تتحرك من دون امتصاص جزئي كان سيعني توسع الصدمة الاجتماعية خلال أسابيع قليلة.

 

دعم النقل في باكستان لم يكن تفصيلًا ماليًا بل خطوة لحماية السوق اليومية

 

ثم اتضح أن دعم النقل في باكستان لم يكن بندًا ثانويًا داخل الحزمة، لأن الحكومة ربطته مباشرة بالفئات التي تتحرك يوميًا على الدراجات النارية ووسائل النقل العام وشاحنات البضائع. وكالة أسوشيتد برس نقلت أن الحكومة ركزت على سائقي الدراجات النارية الذين يمثلون نحو 78 في المئة من مستخدمي المركبات، وهو ما يفسر أولوية الدعم لهذه الشريحة.

 

وبسبب هذا التركيز، لم يعد خفض سعر البنزين قرارًا منفصلًا عن تكلفة النقل العام ونقل البضائع. فحين تتحرك الحكومة لتخفيض السعر وتقديم دعم موجه للحافلات والشاحنات، فإنها تحاول إبطاء انتقال الزيادة إلى أسعار الغذاء والخدمات. هذا المسار يختلف عن الاكتفاء بتفسير الأزمة بوصفها نتيجة حرب أو اضطراب دولي، لأن الحكومة هنا تدخلت قبل اكتمال انتقال الزيادة إلى السوق.

 

كما شرح الباحث خالد وليد، وهو زميل بحثي في معهد سياسات التنمية المستدامة في إسلام آباد، أثر هذه النقطة بدقة حين قال إن الديزل يشكل العمود الفقري لاقتصاد الشحن والزراعة في باكستان، وإن ارتفاع كلفة النقل سينتقل سريعًا إلى أسعار الدقيق والأسمدة. هذا الربط بين الوقود والغذاء يوضح لماذا تعاملت إسلام آباد مع دعم النقل بوصفه أداة لحماية السوق نفسها.

 

وبعد هذا التحذير، تصبح تفاصيل الدعم الشهري المخصص لبعض فئات النقل، إلى جانب التخفيض في سعر البنزين، جزءًا من سياسة احتواء أوسع لا مجرد منحة عابرة. فالحكومة الباكستانية كانت تواجه احتمال أن يتحول ارتفاع الوقود إلى موجة تضخم جديدة في أبريل ومايو مع موسم الحصاد ونقل السلع، لذلك جاء التدخل سريعًا قبل أن تستقر الزيادة داخل أسعار الغذاء والنقل معًا.

 

مصر واصلت الرفع وتقليص الدعم بينما توسعت آثار الأسعار في الداخل

 

وفي الاتجاه المقابل، أعلنت وزارة البترول المصرية في 10 مارس زيادة جديدة في أسعار البنزين والسولار والغاز المستخدم للسيارات بواقع 3 جنيهات، ليرتفع سعر بنزين 95 إلى 24 جنيهًا، وبنزين 92 إلى 22.25 جنيهًا، وبنزين 80 إلى 20.75 جنيهًا، والسولار إلى 20.5 جنيهًا للتر. هذا القرار جاء في سياق رسمي يربط رفع الأسعار بظروف الطاقة العالمية.

 

وبعد هذه الزيادة، لم تتوقف آثار القرار عند محطات الوقود، لأن الحكومة المصرية لجأت أيضًا إلى تقليص استهلاك الكهرباء وفرض إغلاق مبكر للمحال والمقاهي وخفض ساعات العمل الحكومية لتقليل الضغط على فاتورة الطاقة المستوردة. وكالة أسوشيتد برس نقلت أن هذه الإجراءات أضرت مباشرة بالأعمال الصغيرة التي تعتمد على الساعات الليلية، ما يعني أن كلفة الأزمة انتقلت من الوقود إلى دورة النشاط التجاري اليومية.

 

كما يرتبط هذا المسار بسياسة أوسع لتقليص الدعم ضمن برنامج تمويلي مع صندوق النقد الدولي، إذ تشير تقارير اقتصادية حديثة إلى أن مراجعات الصندوق ودّفعاته الجديدة جاءت بالتوازي مع استمرار خفض دعم الطاقة. لذلك لم يكن رفع مارس قرارًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في مسار تعتبر فيه الحكومة المصرية أن ضبط المالية العامة يسبق حماية المستهلك من الصدمة السعرية.

 

وفي تقدير مباشر لأثر هذه الزيادات، قال الخبير المصرفي محمد عبد العال إن زيادة أسعار الوقود الأخيرة سترفع تكاليف الإنتاج والنقل، وإنها قد تضيف ما بين 2 و3 في المئة إلى التضخم. هذه القراءة تفسر لماذا انعكست الزيادات سريعًا على السلع والخدمات، لأن الوقود في مصر يدخل في تكلفة النقل والتوزيع والإنتاج على نطاق واسع، ولا يبقى أثره محصورًا في السيارات الخاصة.

 

ثم تجعل المقارنة بين التجربتين سؤال الكلفة أكثر حدة. الحكومة الباكستانية تحركت بعد انفجار الأزمة لتخفيف العبء عن النقل والمستهلكين ولو مؤقتًا، بينما مضت الحكومة المصرية في تمرير الزيادة إلى السوق ثم أتبعتها بإجراءات تقشف استهلاكي أوسع. هذا الفارق لا يحتاج إلى خطاب دعائي كي يظهر، لأن أثره ينعكس مباشرة على سعر الرحلة وكلفة الشحنة وقيمة السلع الأساسية في حياة الناس.

 

وفي المحصلة، تكشف المقارنة بين إسلام آباد والقاهرة أن إدارة أزمة الوقود ليست مسألة فنية محضة، بل قرار سياسي يحدد من يتحمل الخسارة أولًا. باكستان اختارت أن تمتص جزءًا من الصدمة عبر التخفيض والدعم والتقشف الحكومي. ومصر اختارت أن تواصل رفع الأسعار وتقليص الدعم ثم تطلب من السوق والمواطنين امتصاص الأثر. وبين النهجين، يدفع المواطن النتيجة فورًا في كلفة النقل والغذاء والمعيشة.