يرى د. أحمد عبد الهادي شاهين أن القلب هو أصل صلاح الإنسان، وأن عنايته ليست أمرًا زائدًا في حياة المسلم، بل هي بداية الطريق كله. ويؤكد أن المقصود بالقلب هنا ليس العضلة التي في الصدر، وإنما موضع الفهم والفقه والإيمان، وهو أشرف ما في الإنسان، لأن الجوارح كلها تتبعه، فإذا صلح صلح العمل، وإذا فسد فسد السلوك والقول والعمل.
ويبين الكاتب أن الإسلام ركز على إصلاح القلب لأنه موضع نظر الله من عبده، ولأنه مصدر الفقه الحقيقي، ولأن سلامته من أعظم أسباب النجاة يوم القيامة. ثم يشرح مراتب القلوب، ويعرض صفات القلب السليم، ويحذر من أمراض القلوب مثل الكفر والنفاق والقسوة، قبل أن يذكر وسائل إصلاح القلب من الدعاء والذكر وقراءة القرآن وتذكر الآخرة والقناعة والرضا.
معنى القلب ولماذا كان محور الإصلاح
يفتتح د. أحمد عبد الهادي شاهين حديثه ببيان معنى القلب، فيوضح أن القلب هو خالص الشيء وأشرفه، وأنه في الإنسان موضع الفقه والفهم والإدراك. ومن هذا المعنى يجعل القلب مركز التوجيه في حياة المسلم، لأنه الأصل الذي تصدر عنه حركة الجوارح كلها، ولأن الإنسان لا يستقيم ظاهره إذا فسد باطنه.
ويؤكد الكاتب أن القلب هو ملك الأعضاء، وأن بقية الجوارح تابعة له، ولذلك كان صلاحه سببًا في صلاح الإنسان كله. ويستدل على ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ليبين أن إصلاح القلب هو أساس إصلاح العمل والسلوك.
أسباب العناية بالقلب في القرآن والسنة
يفصل الكاتب أسباب التركيز على القلب فيذكر أولًا أنه أشرف ما في الإنسان، ثم يذكر أنه موضع نظر الله تعالى من عبده، كما جاء في الحديث الذي يبين أن الله لا ينظر إلى الصور والأجسام والأموال، ولكنه ينظر إلى القلوب والأعمال. ومن هنا تصبح العناية بالقلب عبادة تتعلق بعلاقة العبد بربه مباشرة.
ثم يضيف الكاتب أن القلب هو موضع الفقه عن الله، مستشهدًا بآيات القرآن التي تبين أن العمى الحقيقي ليس عمى البصر، وإنما عمى القلب. كما يربط بين سلامة القلب والنجاة في الآخرة، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿إلا من أتى الله بقلب سليم﴾، ليؤكد أن القلب السليم ليس منزلة تربوية فقط، بل شرط عظيم من شروط الفوز.
تقلب القلب وخطورة الغفلة عنه
ينبه د. أحمد عبد الهادي شاهين إلى أن القلب سريع التقلب، ولا يثبت على حال واحدة إلا بتثبيت الله. ولهذا يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بقوله: «لا ومقلب القلوب»، وكان يدعو ربه: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، ليبين أن الخوف على القلب من الانحراف أمر لازم حتى مع الإيمان والطاعة.
ومن هنا يحذر الكاتب من الغفلة عن حال القلب، لأن الإنسان قد يعيش بقلب مريض أو ضعيف أو قاس من غير أن يشعر. ولذلك يرى أن سؤال المسلم عن قلبه ضرورة دائمة، وأنه لا يصح أن يحمل قلبًا لا يدري أحي هو أم ميت، سليم هو أم سقيم، مستقيم هو أم منحرف عن طريق الله.
القلب السليم وعلاماته
بعد ذلك ينتقل الكاتب إلى الحديث عن القلب السليم، ويجعله أعلى مراتب القلوب وأشرفها. ويبين أن القلب السليم هو القلب الذي سلم من الكفر والنفاق والشك والحقد والحسد والبغضاء والشحناء، وأنه القلب الذي امتلأ بالتقوى والصدق والنقاء، ولم يحمل أذى للمسلمين ولا شرًا لهم.
ويستشهد الكاتب بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن مخموم القلب صدوق اللسان، ليؤكد أن أفضل الناس هو من جمع بين صفاء القلب وصدق الكلمة. كما يذكر أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب خير القلوب، لأن الله اطلع على ما فيها من الصدق والإخلاص والتجرد، فرفعهم بذلك المنزلة.
سلامة القلب وعلاقتها بالإيمان
يوضح الكاتب أن القلب السليم هو موضع الإيمان الصادق، وأن الإيمان الحقيقي لا يقف عند اللسان، بل يدخل القلب ويؤثر فيه. ولهذا يستشهد بقوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾، ليبين أن الإيمان درجة أعمق من مجرد التلفظ والانتماء الظاهر.
ثم يربط بين سلامة القلب والثبات على الحق، ويذكر نماذج من القرآن تؤكد أن الإيمان الصادق إذا استقر في القلب صنع من صاحبه إنسانًا قويًا لا تزعزعه الشدائد. ويورد مثال سحرة فرعون الذين دخل الإيمان إلى قلوبهم، فتحولوا في وقت قصير من طلب الدنيا إلى الثبات على الحق ولو كان الثمن حياتهم.
أنواع القلوب التي حذر منها الكاتب
يتناول د. أحمد عبد الهادي شاهين بعد ذلك نوعين من القلوب التي يجب الحذر منهما، وهما قلب الكافر وقلب المنافق. فيصف قلب الكافر بأنه قلب مغلق لا يستمع إلى الحق ولا يقبل الهداية، وقد ختم الله عليه بسبب إعراضه وتكبره وركونه إلى ظاهر الحياة الدنيا من غير بصيرة بالآخرة.
ثم ينتقل إلى قلب المنافق، فيبين أنه أخطر من قلب الكافر من جهة الاشتباه على الناس، لأن المنافق يظهر الإيمان ويبطن الكفر، ويتكلم بخلاف ما يضمر. ويشرح أن النفاق نوعان، نفاق اعتقادي يخرج صاحبه من الإيمان، ونفاق عملي يتمثل في الكذب والخيانة وخلف الوعد، وهو من أخطر الأخلاق التي تفسد القلب وتعرض صاحبها للخطر.
أسباب قسوة القلب وفساده
بعد بيان أنواع القلوب، يذكر الكاتب بعض الأسباب التي تؤدي إلى قسوة القلب، ويجعل في مقدمتها كثرة الذنوب والمعاصي، لأنها تترك أثرًا متراكمًا على القلب حتى يصيبه الران والصدأ. ويشير إلى أن المعصية ليست مجرد مخالفة عابرة، بل سبب مباشر في ضعف الإيمان وذهاب نور القلب وقسوته.
ثم يضيف أسبابًا أخرى مثل كثرة الكلام، والإسراف في الطعام، وكثرة النوم، وكثرة المخالطة من غير ضبط، مبينًا أن المباح إذا خرج عن حد الاعتدال انقلب إلى ضرر. ولذلك يؤكد أن علاج القلب يبدأ بإبعاده عن أسباب القسوة، لأن القلب لا يستقيم ما دام محاصرًا بما يفسده ويشغله ويبعده عن الله.
وسائل إصلاح القلب كما عرضها الكاتب
يختم د. أحمد عبد الهادي شاهين مقاله بوسائل عملية لإصلاح القلب، ويبدأ بالدعاء، لأن العبد لا يملك قلبه إلا بإعانة الله وتوفيقه. ثم يذكر الذكر والاستغفار، لأن الذكر يورث القلب الطمأنينة والسكينة، وينقل الإنسان من الغفلة إلى الحضور مع الله.
كما يذكر قراءة القرآن، لأنها تزيل ما على القلب من الران والصدأ، وترد إليه الخشوع واللين. ويضيف تذكر الموت والدار الآخرة، لأنه يزهد في الدنيا ويجمع هم الإنسان على مرضاة الله. ثم يذكر القناعة والرضا وترك النظر إلى ما في أيدي الناس، لأن صفاء القلب لا يكتمل مع الحسد والطمع والتعلق بالدنيا.
خاتمة
ينتهي د. أحمد عبد الهادي شاهين إلى أن علامة القلب السليم هي تعظيم الله وتعظيم شعائره، والتمسك بالحلال، والبعد عن الحرام، وترك ما يغضب الله تعالى. ومن هنا يدعو المسلم إلى أن يكون شديد الحرص على قلبه، لأنه موضع الإيمان ومحل النجاة، ولأن القلب لا يبقى فارغًا، بل لا بد أن يسكنه خير أو شر.
ويخلص الكاتب إلى أن إصلاح القلب ليس بابًا من أبواب الوعظ فقط، بل هو أصل الدين وأساس الاستقامة. ولذلك يجعل العناية بالقلب طريقًا إلى صدق الإيمان، وصلاح العمل، وراحة النفس، والفوز عند الله، داعيًا إلى أن يكون القلب عامرًا بالإيمان، نقيًا من الحقد والغل، ثابتًا على طاعة الله حتى يلقى ربه بقلب سليم.

