فتح البرلمان المصري ملفا جديدا يتعلق بالسوشيال ميديا، لكن النقاش الجاري لا يدور حول الفضاء الرقمي كله بقدر ما يتركز على مشروع قانون ينظم استخدام الأطفال لتطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي. وقد بدا التحرك سريعا منذ يناير 2026، بعد دعوة رئاسية صريحة إلى إعداد تشريع يقيّد استخدام الهواتف والسوشيال ميديا للأطفال، ثم تحولت الدعوة إلى جلسات استماع متتالية داخل لجنة الاتصالات بمجلس النواب. غير أن سرعة الانتقال من التوجيه السياسي إلى المسار التشريعي أعادت إلى الواجهة سؤالا أوسع من حماية الطفل، وهو كيف ستصوغ الدولة حدود الضبط الرقمي في بلد تتسع فيه أصلا أدوات المتابعة والمنع والحجب.
جاء الجدل لأن المشروع المطروح لا يقدم حتى الآن في صورة حملة توعية أو مراجعة تربوية فقط، بل في صورة قانون جديد يمنح الدولة والمنصات والأسر أدوارا تنظيمية ورقابية متشابكة. وقد ناقشت جلسات البرلمان الملامح الأولى لهذا القانون بحضور 4 وزراء ومسؤولين من الحكومة، مع حديث عن تقنيات للتحقق من العمر، وضوابط لاستخدام الأطفال، وحماية من المخاطر الرقمية. لكن مراقبين رأوا أن اتساع الشعارات من نوع “الحماية” و”الحفاظ على القيم” يفتح الباب أمام نصوص واسعة التفسير، ويجعل المخاوف من التقييد ملازمة للمشروع منذ لحظته الأولى.
البرلمان يبدأ من حماية الأطفال لكن النقاش يمتد إلى حدود السيطرة الرقمية
أعلن مجلس النواب في 25 يناير 2026 عزمه إعداد تشريع ينظم استخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعي، بعد ساعات من دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مراجعة تجارب دول أخرى في تقييد استخدام الهواتف والسوشيال ميديا بالنسبة للصغار. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد المشروع مجرد فكرة عامة، بل صار مسارا رسميا يناقش داخل البرلمان باعتباره استجابة مباشرة لتكليف سياسي أعلى. وهذه البداية نفسها منحت القانون ثقلا سريعا، لكنها منحت أيضا الجدل السياسي زخما لا يمكن تجاهله.
ثم اتسعت المناقشات داخل لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، حيث عقدت جلسات استماع متتالية لمناقشة ضوابط استخدام الأطفال للمنصات والتطبيقات. وقد قال رئيس اللجنة أحمد بدوي إن المقصود هو الخروج بتشريع يحافظ على النشء ويضمن بيئة رقمية آمنة ومتوازنة، بينما أكدت تغطيات برلمانية أن المناقشات شملت الطلاب والوزراء وممثلين عن قطاعات متعددة. وهذا الاتساع في الأطراف المشاركة منح المشروع مظهرا تشاوريا، لكنه لم يبدد القلق من أن جوهره ما زال يتجه إلى تنظيم أعلى من أعلى.
كما أوضحت تقارير صحفية أن البرلمان يناقش تحديد مراحل عمرية وضمان التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والحماية من المخاطر، مع تكرار عبارة “التنظيم لا المنع”. لكن هذه العبارة نفسها لم تحسم الخلاف، لأن أي تنظيم قانوني جديد في المجال الرقمي يظل مرشحا للتوسع في التطبيق، خصوصا إذا ارتبط بمفاهيم عامة مثل القيم والأمان والحماية. ولذلك لم يعد السؤال فقط ماذا يريد القانون، بل أيضا من سيملك سلطة تفسيره وتنفيذه ومراقبته.
وفي هذا السياق حذرت الدكتورة شيماء هلال، خبيرة الصحة النفسية، من التأثيرات السلبية المتزايدة لاستخدام الأطفال والمراهقين للسوشيال ميديا، لكنها قالت بوضوح إن الحل لا يكمن في المنع أو الرقابة الصارمة، بل في “المراقبة الذكية” المبنية على الحوار والثقة. ويمنح هذا الرأي النقاش نقطة توازن مهمة، لأنه يؤيد الحماية من حيث المبدأ، لكنه لا يمنح شيكا مفتوحا لصياغات قانونية قد تستبدل التربية بالمنع والعلاقة الأسرية بالمراقبة الجافة.
ملامح القانون تكشف اتجاها إلى التحقق العمري والمنع المدرسي والرقابة الفنية
كشفت جلسات البرلمان بعض الملامح الأولية للقانون المزمع، وكان أبرزها الحديث عن وجود تقنية للتعرف على الطفل وسنه حتى يجري ضبط استخدامه للمنصات. وقد نقلت “الوطن” عن المستشار جوزيف إدوارد، المستشار القانوني لوزارة الاتصالات، أن فلسفة المشروع تقوم على محاور تقنية وفنية وتنظيمية، تبدأ من التحقق العمري ولا تقف عنده. وهذا يعني أن الدولة لا تناقش مجرد توصيات تربوية، بل تناقش بالفعل بنية تنظيمية تعتمد على التدخل الفني المباشر في استخدام الأطفال للمنصات.
بعد ذلك ظهر اتجاه آخر داخل الجلسات يدفع إلى تشديد القيود داخل المدارس نفسها. فقد دعا وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان خلال إحدى جلسات الاستماع إلى حظر استخدام الهواتف المحمولة في المدارس المصرية، في طرح يكشف أن المشروع لا يتعامل مع السوشيال ميديا بوصفها منصة تحتاج إلى ترشيد فقط، بل بوصفها بابا يجب تضييقه مؤسسيا في أماكن التعليم. وهذه المقاربة توسع النقاش من الفضاء الرقمي المنزلي إلى المجال العام التربوي كله.
كما ناقشت الجلسات بدائل تقنية وخدمية، منها ما يرتبط بخطوط هاتف تحظر المحتوى الإباحي، وما يرتبط بإطلاق حملات توعية موحدة، وتقديم بدائل آمنة للتنشئة الرقمية. وقدمت هذه الملامح باعتبارها جزءا من “خطة شاملة” لا تعتمد على العقوبات وحدها. لكن مراقبين رأوا أن هذا التوسع في الأدوات لا يلغي جوهر التخوف، بل ربما يرسخه، لأن القانون يتحرك هنا بين التوعية والحظر والمنع الفني في وقت واحد، من دون أن تتضح بعد حدود كل أداة وضمانات استخدامها.
وفي هذا الإطار قال الدكتور محمد عزام، خبير تكنولوجيا المعلومات، إن المخاطر الرقمية على الأطفال تشمل التنمر الرقمي والاستغلال المالي والإرهابي والمخاطر النفسية، لكنه شدد أيضا على أن التشريع وحده لا يكفي، وأن توعية الأسر والشباب بالاستخدام الآمن للتكنولوجيا ضرورية. ويعطي هذا الرأي بعدا مهما للنقاش، لأنه يقر بحجم المشكلة، لكنه يرفض اختزالها في قانون جديد وحده، وهو ما يفسر استمرار الجدل رغم التوافق الرسمي على عنوان الحماية.
بين الحماية المعلنة والتقييد المحتمل تظهر أسئلة التنفيذ والحدود والضمانات
لهذا السبب لم يتوقف الجدل عند أصل الفكرة، بل انتقل إلى آثارها المحتملة في حال خروج القانون بصياغات فضفاضة. فالعنوان الرسمي يتحدث عن حماية الأطفال من المخاطر الرقمية، لكن خبراء ومراقبين يلفتون إلى أن أي قانون يربط المنصات بالتحقق من العمر، ويمنح جهات التنفيذ سلطة أوسع في الضبط، قد يخلق بنية رقابة إضافية يصعب حصرها لاحقا في الفئة العمرية المستهدفة وحدها. وهذا التخوف ازداد مع سوابق مصرية شهدت حجب منصات أو ألعاب أو تضييق الوصول إلى خدمات رقمية باسم المصلحة العامة.
ثم إن التغطيات الصحفية نفسها وصفت الملف بأنه يقع “بين الحماية والتقييد”، وهي صياغة تعكس أن الإشكال ليس افتراضيا. فحين يجري الحديث عن حماية الطفل وفي الوقت نفسه عن الحفاظ على القيم، وحين تقترن هذه اللغة بتشريع جديد لا يزال قيد الصياغة، فإن المخاوف تصبح مرتبطة بطبيعة النص المنتظر لا بنيات المعلنين عنه فقط. ولهذا تراقب قطاعات واسعة ليس فقط مضمون القانون، بل أيضا اللغة التي ستحكم تعريف الخطر والضرر والمخالفة.
كما أن مسار المناقشة نفسه يكشف مفارقة أخرى. فالبرلمان يقول إنه يرفض “المنع المطلق” ويبحث عن توازن، لكن النقاشات المتوازية شملت بالفعل حظر الهواتف في المدارس، والتفكير في تقنيات منع أو تقييد حسب العمر، والتعامل مع بعض التطبيقات والألعاب بوصفها تهديدا. وهذا يعني أن التوازن المعلن لم يتحول بعد إلى ضمانة عملية، بل ما زال وعدا سياسيا يحتاج إلى نصوص ضيقة وواضحة إذا أرادت الدولة تفادي توسيع دائرة التقييد تحت عنوان الحماية.
وفي هذا السياق قال المستشار جوزيف إدوارد إن القانون يجري بناؤه على محاور تقنية وفنية وتنظيمية من أجل ضبط استخدام الأطفال للمنصات. غير أن هذا التصور، مهما بدا منضبطا قانونيا، يظل في نظر مراقبين بحاجة إلى ضمانات دقيقة بشأن الخصوصية، وكيفية التحقق من العمر، ومن يملك البيانات، وما إذا كان التنفيذ سيظل محصورا في حماية الطفل أم سينتقل لاحقا إلى أشكال أوسع من الضبط الرقمي. ولذلك لم يتحول مشروع القانون حتى الآن إلى مساحة توافق، بل إلى مساحة اختبار جديدة لعلاقة الدولة بالفضاء الإلكتروني.
في الخلاصة، يناقش البرلمان المصري بالفعل قانونا جديدا لتنظيم استخدام الأطفال للسوشيال ميديا، ويقدمه بوصفه ضرورة لحماية النشء من مخاطر رقمية ونفسية وسلوكية متزايدة. لكن المناقشات الجارية تكشف في الوقت نفسه أن المشروع يفتح بابا أوسع يتعلق بمن يضع الحدود الرقمية، وكيف تُفهم الحماية، وأين ينتهي التنظيم ويبدأ التقييد. وهذه هي النقطة التي تفسر استمرار الجدل، لأن القانون لا يُقرأ فقط من عنوانه المعلن، بل من البيئة التي سيولد ويطبق فيها أيضا.

