جاء اتفاق التهدئة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في لحظة كانت المنطقة تقف فيها على حافة تصعيد أوسع، لكن الساعات الأولى بعد الإعلان لم تحمل صورة استقرار بقدر ما حملت صورة اشتباك على تفسير الاتفاق نفسه. فقد أعلنت طهران قبول هدنة لمدة أسبوعين، ثم سارعت إلى التأكيد أن الاتفاق لا يعني نهاية الحرب، بينما واصلت إسرائيل ضرباتها في لبنان وأعلنت أن التهدئة لا تشمل حزب الله. عند هذه النقطة تحديدا، خرجت إيران برواية تقول إن إسرائيل لا تتعامل مع الاتفاق باعتباره فرصة لوقف النار، بل باعتباره هدنة جزئية تريد استخدامها لتفريغ الاتفاق من مضمونه وإسقاطه عمليا قبل أن يبدأ.
هذه التطورات لم تفتح فقط سؤال مدى التزام إسرائيل، بل فتحت أيضا سؤالا آخر أكثر حساسية يتعلق بمن خرج منتصرا من التهدئة نفسها. فإيران تقول إنها أجبرت واشنطن على قبول خطتها وفتحت مضيق هرمز بشروطها، بينما تقول واشنطن إنها انتزعت وقفا لإطلاق النار بعد تدمير جزء كبير من البنية العسكرية الإيرانية. وبين الروايتين، برز اسم باكستان باعتبارها القناة التي نقلت المقترحات، وطلبت مهلة الأسبوعين، واستضافت المسار التفاوضي التالي في إسلام آباد. ولذلك لم يعد الحديث عن هدنة عسكرية فقط، بل عن إعادة ترتيب موازين التفاوض ومن يملك رواية اليوم التالي للحرب.
طهران تتهم إسرائيل بمحاولة إسقاط الاتفاق وتلوح برد على أي انتهاك
بدأ التناقض مبكرا عندما أعلنت إسرائيل تأييدها قرار دونالد ترامب وقف إطلاق النار، ثم أوضحت في الوقت نفسه أن هذا القرار لا ينطبق على جبهتها مع حزب الله في لبنان. وبعد ساعات فقط، نفذت تل أبيب ضربات واسعة على بيروت ومناطق لبنانية أخرى، رغم أن باكستان ودولا أخرى قالت إن لبنان مدرج ضمن صيغة التهدئة الأوسع. هذه الازدواجية الإسرائيلية منحت طهران مادة جاهزة للقول إن إسرائيل لا تريد تهدئة حقيقية، بل تريد إبقاء النار مشتعلة في الساحة التي تراها أكثر ملاءمة لمصالحها.
ثم عززت طهران هذا الخطاب بتحذيرات مباشرة من أن الهدنة لا ينبغي أن تُفهم على أنها نهاية الحرب أو قبول بانتهاكات جديدة. فقد قالت المؤسسات الإيرانية الرسمية إن القوات المسلحة ستبقى في حالة جاهزية كاملة، وإن أي خطأ من الخصوم سيقابل برد شامل. كما قال رئيس الأركان الإيراني أمير حاتمي إن أي عدوان جديد سيواجه “ردا ساحقا”. وهذه الرسائل لم تكن موجهة إلى واشنطن وحدها، بل إلى إسرائيل أيضا، في ضوء سلوكها العسكري في لبنان وسعيها الواضح إلى الفصل بين التهدئة مع إيران واستمرار القتال على جبهات أخرى.
وفي هذا السياق تكتسب قراءة تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي، أهمية خاصة، لأنه قال إن تركيز ترامب في الأيام الأخيرة على مضيق هرمز والملف النووي فتح بابا للتفاوض أسهل من الأهداف القصوى التي رُفعت سابقا. لكن هذه الملاحظة نفسها تحمل اتهاما ضمنيا لإسرائيل، لأن تل أبيب كانت الأكثر تمسكا بتوسيع الحرب وربطها بحسم كامل في لبنان والمنطقة، بينما كانت واشنطن تتحرك نحو صفقة أكثر ضيقا. ومن هنا تبدو الشكوى الإيرانية من محاولة إسرائيل تقويض الاتفاق منسجمة مع مسار الخلاف الفعلي بين أولويات واشنطن وأولويات تل أبيب.
وبسبب هذا التباعد لم تعد المشكلة في خرق عسكري محتمل فقط، بل في وجود قراءتين متعارضتين للتهدئة نفسها. فإيران أرادت وقفا يوقف الهجمات عليها وعلى حلفائها أو على الأقل يمنع استخدام جبهة لبنان لإبقاء الضغط قائما، بينما أصرت إسرائيل على أن اتفاقها مع واشنطن لا يلزمها بشيء في لبنان. ولهذا تقول طهران اليوم إن إسرائيل لا تختبر حدود الاتفاق فقط، بل تختبر أيضا مدى استعداد واشنطن للتمسك بما وقعت عليه. وإذا استمرت هذه الازدواجية، فإن التهدئة قد تتآكل من داخلها لا بسبب بيان إيراني، بل بسبب السلوك الإسرائيلي نفسه.
من المنتصر في التهدئة سؤال لا تحسمه البيانات بل تفرضه الوقائع
يصعب الحديث عن منتصر مطلق في اتفاق هدنة هش ومؤقت، لكن الوقائع الأولية تشير إلى أن إيران خرجت بمكسب سياسي واضح على الأقل في هذه المرحلة. فالولايات المتحدة تراجعت عن تهديداتها بتدمير البنية التحتية الإيرانية قبل دقائق من المهلة النهائية، وقبلت الدخول في مسار تفاوضي جديد في إسلام آباد على أساس مقترح إيراني من 10 نقاط. كما أبقت طهران على مطلبها المتعلق بالإشراف على المرور في مضيق هرمز، وعلى تمسكها بالتخصيب، بينما لم تحصل إسرائيل على تعهد نهائي ينهي هذه الملفات أو يضمن شمول لبنان بالتهدئة وفق تصورها الخاص.
ثم إن الشكل الذي خرج به الاتفاق زاد من صعوبة تسويق رواية نصر أمريكي إسرائيلي كامل. فوكالة أسوشيتد برس قالت إن مسائل التخصيب والصواريخ والنفوذ الإقليمي بقيت معلقة، بينما ذكرت تقارير أخرى أن إيران ستواصل فرض نوع من الإشراف العسكري على المرور في هرمز خلال فترة الأسبوعين. وهذه الصيغة لا تشبه استسلاما إيرانيا بقدر ما تشبه وقفا مؤقتا للقتال انتزعته طهران وهي تحتفظ بأوراق تفاوضية رئيسية. ولذلك جاء الخطاب الإيراني الداخلي سريعا ليصف التهدئة بأنها “انتصار عظيم” أجبر واشنطن على قبول الخطة الإيرانية لا العكس.
وفي هذا الإطار تبدو ملاحظة سنم وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، لافتة لأنها كتبت مع نيل كويليام أن تفادي حرب خليجية جديدة يحتاج إلى إخراج الحلفاء الإقليميين من دائرة النيران المباشرة، لا إلى توسيع الحرب أو تعليق الاستقرار على الجواب العسكري وحده. معنى هذا التقدير أن الاتفاق، حتى لو بدا ضيقا ومؤقتا، يعكس حدود القوة العسكرية في حسم أزمة بهذا التعقيد. وهو ما يصب عمليا في مصلحة إيران السياسية، لأنها خرجت من مرحلة التهديد الوجودي إلى مرحلة التفاوض من دون أن تقبل بالشروط القصوى التي رُفعت ضدها.
لكن ذلك لا يعني أن واشنطن خرجت خالية الوفاض. فالهدنة فتحت المضيق مؤقتا وخفضت أسعار النفط وأنهت خطر الضربة الأمريكية الواسعة مقابل وقف إيراني للنار. كما أن ترامب سعى إلى تقديم الأمر على أنه نتيجة مباشرة للضغط العسكري. غير أن هذه المكاسب تبدو إجرائية أكثر منها استراتيجية، لأن ما حُقق فعلا هو منع انفجار أكبر، لا فرض تسوية نهائية على إيران. ولهذا فإن السؤال عن المنتصر لا يجيب عنه البيت الأبيض بخطاب النصر، بل يجيب عنه شكل التفاوض التالي وموقع إسرائيل فيه وحدود قدرتها على إفشاله.
باكستان لم تكن ناقل رسائل فقط بل صارت محور الاتفاق ومكان ما بعده
لم يأت اسم باكستان في هذا الاتفاق من باب المجاملة الدبلوماسية، بل من موقع فعلي في صناعة الهدنة نفسها. فقد أكدت أكسيوس أن الاتفاق جرى بعد وساطة قادتها إسلام آباد، وأن المقترح الذي دعمه شهباز شريف وعاصم منير دفع ترامب إلى تعليق الضربة الأمريكية الوشيكة. كما قالت أسوشيتد برس وواشنطن بوست إن المفاوضات التالية ستنطلق في إسلام آباد، وهو ما يعني أن باكستان لم تعد مجرد ممر خلفي للرسائل، بل تحولت إلى عاصمة للمسار التالي كله.
ثم إن الدور الباكستاني لم يبدأ مع إعلان الهدنة نفسها، بل سبقها بخطة أوسع طرحتها إسلام آباد مع بكين في 31 مارس 2026، ودعت إلى وقف فوري للنار واستعادة المرور الطبيعي في هرمز وصياغة إطار سلام شامل. وعندما تعثرت الوساطات الأخرى أو رفضت بعض العواصم لعب دور الوسيط الرئيسي، ظلت باكستان تتحرك من موقع مقبول نسبيا لدى طهران وواشنطن في الوقت نفسه. ولهذا لم يكن اختيارها لاستضافة الجولة التالية قرارا بروتوكوليا، بل نتيجة لتراكم دورها خلال الأسابيع السابقة.
وفي هذا السياق يبرز تحليل الباحث عمير جمال في مجلة “ذي ديبلومات”، إذ كتب أن باكستان نجحت في دفع واشنطن إلى التخلي عن خطاب تغيير النظام والدخول في تفاوض مباشر مع النظام نفسه، وأنها استطاعت توظيف موقعها بوصفها “قوة متوسطة” قادرة على العمل عندما تكون القوى الكبرى مقيدة بتحالفاتها. هذه القراءة تفسر لماذا تصر إيران على إبراز الدور الباكستاني، لأن هذا الدور منحها قناة تفاوض أقل عدائية من القنوات الغربية التقليدية، وسمح لها بنقل رؤيتها للهدنة من دون المرور حصرا عبر الوسطاء الأقرب إلى إسرائيل أو الولايات المتحدة.
كما أن طهران نفسها اعترفت بهذا الوزن عندما قال سفيرها في باكستان رضا أميري مقدم إن الأمور انتقلت من “مرحلة حرجة وحساسة” إلى “خطوة إلى الأمام”، بعد تدخل إسلام آباد وطلبها هدنة الأسبوعين. وهذه الإشارة الإيرانية مهمة لأنها تؤكد أن باكستان ليست مجرد منصة تفاوض، بل طرف نجح في تخفيف انعدام الثقة بين خصمين كانا على بعد دقائق من توسع الحرب. ومع استمرار التشكيك الإسرائيلي وتضارب التفسيرات، يصبح هذا الدور الباكستاني هو العنصر الأكثر تماسكا في الاتفاق كله.
في الخلاصة، لا يبدو اتفاق التهدئة نصرا نهائيا لأحد بقدر ما يبدو معركة جديدة على تفسير التهدئة ومن يملك حق إدارة يومها التالي. إيران تتهم إسرائيل بأنها تحاول إسقاط الاتفاق عبر إبقاء النار مشتعلة في لبنان وفرض قراءة انتقائية لبنوده، بينما تقول الوقائع إن طهران خرجت بمكسب تفاوضي سمح لها بوقف الضربة الأمريكية الواسعة من دون التخلي عن أوراقها الرئيسية. وفي قلب هذا كله برزت باكستان بوصفها الطرف الذي أنقذ المسار من الانهيار وحوّل الحرب من حافة الانفجار إلى طاولة إسلام آباد. ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط من انتصر في الهدنة، بل من يستطيع حماية الهدنة نفسها من التخريب الإسرائيلي قبل أن تبدأ الجولة التالية من التفاوض.

