لم يعد اسم عبد الفتاح السيسي في الخطاب الخليجي المتداول على منصات التواصل مرتبطًا فقط بصورة الحليف الذي جرى تسويقه لسنوات بوصفه ضامنًا للاستقرار الإقليمي. خلال الشهور الأخيرة، ظهرت لهجة أكثر حدّة في عدد من الحسابات الخليجية، بعضها قريب من دوائر السلطة أو محسوب على خطابها العام، وبعضها ينطق من مساحة شعبية غاضبة من حصيلة العلاقة مع القاهرة سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا.

 

هذا التحول لم يأت من فراغ، لأن السيسي لم يعد يُناقش خليجيًا من زاوية واحدة. بعض الحسابات تراه عبئًا اقتصاديًا استنزف الدعم ولم يحقق إصلاحًا، وبعضها يحمّله مسؤولية سياسية في غزة وسيناء وعلاقاته الإقليمية، وبعضها يتهمه بالارتهان لأبوظبي، بينما يتمسك صوت آخر بالدفاع عنه باعتباره ضرورة أمنية. لكن اللافت أن صوت الدفاع لم يعد الأعلى، وأن السخرية باتت أكثر جرأة واتساعًا.

 

من الدفاع إلى الإهانة كيف تغيرت لهجة الخطاب الخليجي

 

بدأت الموجة الأخيرة بعد تداول مقطع وتعليقات منسوبة إلى إعلامي سعودي مقرب من السلطة، وُصف فيها السيسي بأنه متسول وفاقد للكرامة. ورغم حذف التغريدة الأصلية سريعًا، فإن أثرها لم يختف، بل اتسع عبر حسابات عديدة أعادت إنتاج المعنى نفسه بصيغ مختلفة، ودفعت النقاش إلى مساحة أوسع تتعلق بطبيعة العلاقة المصرية الخليجية وحدود الإهانة السياسية المتبادلة.

 

ثم اتسعت الدائرة عندما استعاد متابعون خليجيون ومصريون خطابًا أقدم وأشد مباشرة، يربط بين طلب السيسي الدعم المالي من الخليج وبين تصريحاته السابقة عن الكرامة والاستقلال. هذا الاستدعاء لم يكن مجرد نبش في الأرشيف، بل كان استخدامًا منظمًا لذاكرة سياسية تقول إن النظام المصري يتحدث بلغة السيادة في العلن، ثم يعود إلى الخليج كلما ضاقت الأزمة المالية.

 

وفي هذا السياق، أعاد عبد الحميد قطب نشر مضمون منسوب إلى الأكاديمي السعودي خالد الدخيل قال فيه إن السيسي يعتبر السعودية عدوًا متكبرًا، ثم يذهب إليها طالبًا الرز والمال الخليجي. وبعد ذلك أضاف قطب تذكيرًا بحوار قديم قال فيه الدخيل إن الملف السوري كان من أبرز نقاط الخلاف بين السيسي والسعودية، وإن دعم بشار الأسد لا يخدم مصر سياسيًا ولا أخلاقيًا.

 

 

كما كشفت هذه العودة إلى كلام خالد الدخيل أن الإهانة لم تعد حكرًا على حسابات هامشية، بل صارت تجد صداها لدى شخصية أكاديمية معروفة في الخليج، لها حضور إعلامي وفكري. وهذا ما منح الجدل وزنًا أكبر، لأن ما كان يُقال قديمًا همسًا في دوائر ضيقة بات يقال الآن علنًا، ثم يحذف لاحقًا من دون أن يُسحب معناه من التداول.

 

وفي هذا الإطار، قال الدكتور عبد الخالق عبد الله، الأكاديمي الإماراتي المعروف، في أكثر من مناسبة علنية إن العلاقة مع مصر تظل ضرورية لأمن الخليج، لكن هذه الضرورة لا تمنع اتساع النقاش حول كلفة الدعم ونتائجه. أهمية هذا النوع من المواقف أنه يكشف وجود تيار خليجي يريد بقاء التحالف، لكنه لم يعد مستعدًا لتمرير كل شيء باسم التحالف نفسه.

 

غزة وسيناء والإمارات توسع دائرة الشكوك

 

انتقل الجدل بعد ذلك من الاقتصاد إلى الملف الفلسطيني، خصوصًا بعد الحرب على غزة. بعض المتابعين الخليجيين ربطوا بين تشدد القاهرة في فتح معبر رفح وبين التنسيق الأمني مع الاحتلال، وذهب بعضهم إلى اتهام السيسي بالتقصير في دعم غزة. هذه الاتهامات لم تعد محصورة في جمهور معارض للسيسي أصلًا، بل دخلت إلى دوائر خليجية كانت حتى وقت قريب أكثر ميلًا إلى الصمت.

 

ثم جاءت تغريدة خالد الدخيل التي اتهم فيها السيسي بأنه أعطى الضوء الأخضر لإسرائيل لتصفية حماس، قبل أن يحذفها لاحقًا، لتمنح الجدل دفعة جديدة. ورغم الحذف، لم يصدر عن الدخيل نفي للمضمون، بل قال إن سبب الحذف هو كثرة اللغط في التعليقات والاتصالات. بهذا المعنى، بقي الاتهام قائمًا في الذاكرة الرقمية حتى بعد إزالة الصياغة الأصلية.

 

لكن خطابًا آخر حاول الدفاع عن السيسي من داخل الساحة الخليجية نفسها، حين نشر حساب عبد الله الدوسري قراءة مطولة قال فيها إن السيسي لم يعط أي ضوء أخضر للكيان، بل كان يتحدث في سياق رفض التهجير إلى سيناء مستندًا إلى وثيقة إسرائيلية مسربة. وأضاف الحساب أن عزل الكلام عن سياقه يقود إلى قراءة سياسية منحازة لا إلى استنتاج مهني متماسك.

 

 

ومع ذلك، لم يوقف هذا الدفاع سيل الشكوك، لأن جزءًا من المتابعين الخليجيين بات يربط بين السيسي وبين النفوذ الإماراتي في المنطقة. هؤلاء يرون أن أبوظبي لعبت منذ 2013 دورًا محوريًا في دعم النظام المصري، وأن هذا الدعم منحها تأثيرًا واسعًا في ملفات الاقتصاد والموانئ وبعض القضايا الأمنية. لذلك صار السيسي عندهم مرادفًا لتحالف إقليمي أكثر من كونه رئيس دولة مستقل القرار.

 

وفي هذا السياق، قال الدكتور حسن نافعة إن جزءًا من الأزمة التي تلاحق صورة النظام المصري خارجيًا يعود إلى تداخل القرار الوطني مع حسابات التمويل والتحالفات الإقليمية. هذا النوع من التوصيف يفسر لماذا تتسع الشكوك خليجيًا حول حدود استقلال القاهرة، ولماذا يجد خطاب الارتهان للإمارات رواجًا متزايدًا كلما انفجرت أزمة في غزة أو السودان أو ليبيا.

 

المال الخليجي والإعلام المصري يسرعان الانفجار الرقمي

 

على الجانب المصري، رد كثير من المستخدمين بغضب واضح على هذا الخطاب الخليجي، واعتبر بعضهم أن الخليج شارك أصلًا في صنع الأزمة المصرية الحالية عبر دعمه حركة تمرد والانقلاب على المسار الديمقراطي. هذا الغضب لم يكن دفاعًا عن السيسي بقدر ما كان اتهامًا للخليج بأنه موّل الثورة المضادة، ثم عاد الآن ليُهين من ساهم في بقائه بالسلطة.

 

وفي هذا المعنى، كتب سالم بيومي أن السعودية والخليج خرّبا مصر بدعمهم تمرد والانقلاب على الديمقراطية، وأن دعمهم للسيسي قطع على مصر طريقًا كان يمكن أن يشبه تركيا أو ماليزيا، بل أضاف أن سنة مرسي الأولى شهدت فائضًا تجاريًا بسبب غياب الفساد. هذا النوع من الردود المصرية يحمّل الخليج شراكة مباشرة في إنتاج الكارثة ثم التنصل منها لاحقًا.

 

ثم دخل المال الخليجي نفسه إلى قلب الجدل عندما كتب حساب شؤون إسلامية أن أحد أبواق النظام المصري اعترف بأن الأموال الخليجية التي قُدمت للنظام المصري لم تكن منحة، بل دفاعًا من هذه الأنظمة عن نفسها في مواجهة خطر الربيع العربي. وأضاف الحساب أن المعنى المباشر لهذا الكلام هو أن هذه الأموال ذهبت لدعم الثورة المضادة لا لدعم الشعب المصري.

 

 

كما زاد هذا الخطاب حدة لأن بعض الخليجيين لم يعودوا يكتفون بانتقاد الاقتصاد المصري، بل صاروا يتهمون الإعلام المصري الرسمي وشبه الرسمي بازدواج الخطاب. هؤلاء يقولون إن هذا الإعلام يمدح الدعم الخليجي حين يصل، ثم يهاجم الخليج حين تتأخر المساعدات أو تختلف المواقف. ولذلك لم تعد المشكلة عندهم في السيسي وحده، بل في آلة دعائية تتعامل مع الخليج بمنطق الابتزاز لا الشراكة.

 

وفي هذا السياق، قالت الدكتورة ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، في أكثر من مناسبة إن العلاقات العربية البينية لم تعد تحتمل خطابًا إعلاميًا متناقضًا يخلط بين المصالح والانفعالات. وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها هنا لأن جزءًا معتبرًا من التوتر الحالي لا تصنعه الحكومات مباشرة، بل تصنعه روايات متضاربة على المنصات يضاعفها إعلام غير منضبط من الجانبين.

 

ثم يكتمل المشهد عندما يُنظر إلى تغير النبرة نفسها. فالسيسي الذي جرى الترويج له سنوات بعبارة مسافة السكة صار عند بعض الخليجيين موضوعًا يوميًا للسخرية أو الشك أو الإهانة أو إعادة الحسابات. هذا لا يعني أن كل الخليج غيّر موقفه، لكنه يعني أن الجرأة في السب خرجت من الهامش إلى دوائر أقرب من السابق إلى المجال العام الخليجي.

 

وفي المحصلة، لم يعد الجدل الخليجي حول السيسي مجرد فقاعات منصات، لأن تكرار الإهانة من شخصيات أو حسابات قريبة من دوائر النفوذ، وتوسع النقد من الاقتصاد إلى غزة والإمارات والإعلام، يكشف تحولًا فعليًا في المزاج الرقمي تجاه القاهرة. وعندما يصبح حليف الأمس مادة جاهزة للتهكم بعد سنوات من المجاملة، فإن المشكلة لا تكون في السوشيال وحده، بل في تحالف فقد قدرته على تجميل نفسه أمام جمهوره.