تشهد الأزمة الإنسانية في السودان تصاعدًا خطيرًا مع استمرار الحرب للعام الثالث على التوالي، في ظل أرقام صادمة تكشف حجم الكارثة التي طالت المدنيين، وعلى رأسها ملف المفقودين الذي بات أحد أكثر الملفات تعقيدًا وإيلامًا، بعدما تجاوز عدد الحالات المسجلة 11 ألف شخص، وفق ما أعلنته اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

 

وقالت اللجنة، في بيان صادر من جنيف، إن آلاف العائلات السودانية لا تزال تعيش حالة من القلق والترقب، بعدما انقطعت أخبار ذويها أثناء محاولات الفرار من مناطق القتال.

 

وأوضحت أن عدد ملفات المفقودين ارتفع بأكثر من 40% خلال عام واحد فقط، ما يعكس اتساع نطاق الانفصال الأسري الناتج عن العمليات العسكرية وتدهور الأوضاع الأمنية.

 

وأكدت اللجنة أن الرقم المعلن “قد لا يمثل سوى جزء محدود من الحجم الحقيقي للمشكلة”، في ظل صعوبة التوثيق وانقطاع الاتصالات في مناطق واسعة من البلاد، ما يجعل تتبع الحالات أو جمع البيانات الدقيقة مهمة شديدة التعقيد.

 

نزوح واسع وانهيار في شبكات التواصل

 

وفي السياق ذاته، أشار نائب المدير الإقليمي للجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن تغير خطوط المواجهة أدى إلى موجات نزوح غير مسبوقة، تجاوزت 11 مليون نازح داخل السودان، بعضهم اضطر إلى النزوح أكثر من مرة، بينما فرّ نحو 4 ملايين شخص إلى دول الجوار.

 

كما لفتت اللجنة إلى أن تدمير شبكات الاتصالات في العديد من المناطق أسهم في تعميق الأزمة الإنسانية، حيث فقدت آلاف العائلات القدرة على التواصل مع أقاربها، ما خلق حالة من “الانتظار الموجع” الذي يطغى عليه الغموض بشأن مصير المفقودين.

 

وأضافت أن هذا الوضع تسبب في ضغوط نفسية هائلة على الأسر، نتيجة غياب أي معلومات مؤكدة عن ذويهم، وهو ما وصفته بأنه أحد أكثر الآثار الإنسانية قسوة للنزاعات الممتدة.

 

جهود إنسانية محدودة وسط أزمة متفاقمة

 

ورغم حجم الأزمة، أوضحت اللجنة أنها تمكنت من المساعدة في إعادة التواصل بين عدد من العائلات، حيث جرى تسهيل أكثر من 560 ألف مكالمة هاتفية خلال عام 2025 داخل السودان وفي دول الجوار، بما فيها مصر وتشاد وجنوب السودان.

 

كما أشارت إلى أنه تم التوصل إلى حلول أو تحديد مصير نحو 1100 حالة اختفاء حتى الآن، إلا أن هذه الجهود لا تزال محدودة مقارنة بحجم الحالات المسجلة.

 

أوضاع مأساوية في مخيمات النزوح

 

وفي تطور ميداني منفصل، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة اندلاع حريق كبير في مخيم “أم بلولة” للنازحين بولاية جنوب دارفور، ما أدى إلى نزوح 350 أسرة جديدة.

 

وبحسب المنظمة، فقد أسفر الحريق عن تدمير 350 مسكنًا بشكل كامل، إضافة إلى تضرر 104 مساكن أخرى جزئيًا، بينما جرى نقل الأسر المتضررة إلى مناطق مفتوحة داخل البلدة في ظروف إنسانية صعبة.

 

وتعيش مخيمات النازحين في السودان أوضاعًا بالغة القسوة، حيث تعتمد غالبية الأسر على مساكن بدائية مصنوعة من القش والخشب، في ظل نقص حاد في الخدمات الأساسية، وتكرار حوادث الحرائق نتيجة الاكتظاظ وغياب البنية التحتية المناسبة.

 

حرب ممتدة وأزمة إنسانية من الأسوأ عالميًا

 

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش السوداني و”قوات الدعم السريع”، قُتل عشرات الآلاف من المدنيين، فيما اضطر نحو 13 مليون شخص إلى النزوح، ما يجعلها واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم خلال السنوات الأخيرة.

 

وتشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن أكثر من 19 مليون شخص يعانون من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في وقت تتوسع فيه رقعة القتال إلى مناطق جديدة، ما يزيد من تعقيد وصول المساعدات الإنسانية.

 

كما أفادت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأن ما بين 70% و80% من البنية التحتية الصحية في مناطق النزاع خرجت عن الخدمة أو تعاني من نقص حاد في الموارد الطبية والكوادر، ما يضع النظام الصحي على حافة الانهيار.

 

تحذيرات من انهيار شامل للوضع الإنساني

 

وفي ختام التصريحات، قال رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في السودان إن المدنيين يواجهون “مستويات غير مسبوقة من المعاناة”، مشيرًا إلى تضرر الأسواق والمستشفيات ومحطات المياه والطاقة بشكل واسع.

 

ودعا الأطراف المتحاربة إلى وقف الأعمال القتالية أو التوصل إلى تسويات سياسية عاجلة، محذرًا من أن استمرار الصراع سيؤدي إلى “تكلفة إنسانية واقتصادية أكبر بكثير في المستقبل”.