تدرس هيئة الدواء المصرية في مصر نحو 150 طلبا لتحريك أسعار الأدوية خلال 2026، بعد موجة زيادات سابقة طالت أكثر من 130 دواء أساسيا، بما يهدد مرضى الضغط والسكر والقلب بأعباء علاجية أوسع.

 

تدفع الحكومة أزمة الدواء إلى جيوب المرضى، لأن ربط التسعير بسعر الصرف وتكاليف الإنتاج يجري من دون حماية كافية لأصحاب المعاشات ومحدودي الدخل، ومن دون ضمان فعلي لاستمرار العلاج الآمن.

 

تسعير جديد يطارد المرضى بعد موجة زيادات سابقة

 

تأتي دراسة الطلبات الجديدة بعد أشهر من زيادات دوائية أثقلت السوق، حيث نقلت صحيفة الخليج في 20 أبريل 2026 أن هيئة الدواء تلقت أكثر من 170 طلبا لإعادة التسعير، وأن نحو 150 صنفا ظل قيد الدراسة أمام اللجان المختصة.

 

وبحسب المسار نفسه، تعتمد مراجعة أسعار الأدوية في مصر على تغيرات سعر الصرف وتكاليف التصنيع والاستيراد، لكن هذه الآلية تنقل أثر قرارات الاقتصاد الكلي مباشرة إلى المريض، لأن المواطن يدفع الزيادة في الصيدلية بينما تغيب شبكة تعويض واضحة تحمي العلاج الأساسي.

 

ثم جاءت الزيادات السابقة في يونيو 2025 لتؤكد أن الملف لا يخص سلعا هامشية، إذ شملت أكثر من 130 دواء استراتيجيا وفق ما نقلته تقارير صحفية عن محمود فؤاد مدير منظمة الحق في الدواء، وهي أصناف ترتبط بأمراض مزمنة لا يستطيع أصحابها وقف العلاج.

 

لذلك يتحول قرار التسعير من إجراء إداري إلى ضغط يومي على الأسر، لأن مريض الضغط أو السكر أو القلب لا يملك رفاهية المقاطعة أو التأجيل، بينما تترك الحكومة المواطن وحيدا بين روشتة الطبيب وسعر العلبة الجديدة في الصيدلية.

 

في هذا السياق، يرى محمود فؤاد مدير منظمة الحق في الدواء أن الشركات لا تواجه انهيارا يبرر موجات متتالية من الرفع، لأن سوق الدواء المصري واصل النمو وبلغت قيمته نحو 5.5 مليار دولار سنويا، وفق ما نقلته منصة درج عن تقديراته.

 

وعلى هذا الأساس، يضع فؤاد مسؤولية سياسية وتنظيمية على الحكومة، لأن لجنة التسعير الحكومية أقرت زيادات أسبوعية لبعض الأصناف، بينما تطلب الشركات زيادات أوسع، في وقت لا تقدم فيه الدولة كشفا عاما يوضح تكلفة الإنتاج الفعلية وهامش الربح ومبرر الزيادة.

 

الفقر الدوائي يدفع المرضى إلى شراء الشريط والقرص

 

بعد اتساع موجات الرفع، تكشف شهادات المرضى عن تغير قاس في طريقة شراء العلاج، حيث يخصص بعض أصحاب المعاشات ما يصل إلى 75% من دخلهم الشهري للأدوية، فيلجأ بعضهم إلى عمل إضافي أو إلى تقليل الجرعات رغم خطورة القرار على الصحة.

 

كما يضطر مرضى آخرون إلى استبدال الأدوية المستوردة ببدائل أقل سعرا، أو شراء شريط واحد بدلا من العلبة الكاملة، أو طلب قرص منفرد عند الحاجة، وهي ممارسات تكشف أن الحكومة تركت العلاج يخضع لقدرة المريض على الدفع لا لحاجته الطبية.

 

وبالتزامن مع ذلك، يقول صيادلة إن سلوك المستهلك تغير بوضوح، لأن المرضى صاروا يراجعون قائمة الأدوية بحسب السعر قبل الشراء، ثم يستبعدون المكملات والفيتامينات، ويحتفظون فقط بالأدوية التي لا يمكن الاستغناء عنها داخل الروشتة.

 

في المقابل، لا يمثل هذا السلوك مجرد ترشيد إنفاق، لأن تقليل العلاج أو وقف بعض الأصناف يفتح الباب أمام مضاعفات أعلى تكلفة وأكثر خطورة، خصوصا لمرضى الأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى التزام منتظم بالجرعات وليس إلى علاج متقطع حسب السيولة المتاحة.

 

ومن زاوية الحق في الصحة، يربط الدكتور محمد حسن خليل منسق لجنة الدفاع عن الحق في الصحة الأزمة بمنظومة حماية غير مكتملة، إذ سبق أن أكد أن العلاج على نفقة الدولة يعالج بالقطعة ولا يحمي المريض مدى الحياة، خصوصا أصحاب الأمراض المزمنة.

 

وبناء على ذلك، تصبح زيادة أسعار الأدوية اختبارا مباشرا لفشل الحماية الاجتماعية، لأن المريض الذي لا تغطيه مظلة تأمين فعالة يشتري العلاج من دخله المحدود، ثم يدفع ثمن تقلبات الدولار والطاقة والشحن كأنه مسؤول عن إدارة السياسة الاقتصادية.

 

كذلك أشار هيثم الحريري عضو مجلس النواب السابق إلى أن الحل يتطلب تسعيرا عادلا يراعي تكلفة الإنتاج الفعلية، ورقابة صارمة على التخزين والضغط على السوق، ودعما موجها للمصانع، وتوسيعا للحماية الاجتماعية للمرضى غير القادرين وأصحاب المعاشات.

 

السوق غير الرسمية تكبر حين تضعف رقابة الدولة

 

مع ارتفاع الأسعار، يتوسع بعض المرضى في استخدام الطب الشعبي والأعشاب الطبيعية مثل اليانسون وأوراق الجوافة، كما يعتمد آخرون على وصفات متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو مسار يخلط بين محاولة الهروب من الغلاء وخطر العلاج غير الخاضع لإشراف طبي.

 

ثم تتزايد المخاوف الصحية عندما يتحول البحث عن الأرخص إلى شراء منتجات مجهولة المصدر أو غير مرخصة من خارج الصيدليات الرسمية، لأن السوق السوداء والبيع عبر الإنترنت يستغلان عجز المريض عن دفع السعر الرسمي ويقدمان بديلا قد يحمل خطرا مباشرا.

 

لذلك يحذر مختصون من أن تراجع القدرة الشرائية لا ينتج فقط تراجعا في الاستهلاك، بل ينتج سوقا موازية تستفيد من الألم، لأن المريض الذي لا يستطيع شراء الدواء المرخص قد يقبل بدواء مجهول أو وصفة متداولة بلا تحليل أو رقابة.

 

وفي الخلفية الاقتصادية، يرى الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني أن تسليع الخدمات الصحية يحول الحق في الصحة إلى قدرة شرائية، وقد كتب عن تراجع الإنفاق الحكومي واتساع منطق السوق داخل الرعاية الصحية، وهو نقد يفسر جانباً من أزمة الدواء الحالية.

 

بناء على ذلك، لا يكفي أن تؤكد هيئة الدواء أن الأسعار في مصر ضمن الأقل عالميا، لأن المقارنة الحقيقية يجب أن تتم بين سعر الدواء ودخل المريض المصري، وبين قيمة الروشتة ومعاش محدود، وبين تكلفة العلاج الشهري وقدرة الأسرة على الطعام والسكن.

 

في الوقت نفسه، تظهر بيانات سوق الدواء أن المصريين أنفقوا نحو 50 مليار جنيه على الأدوية المباعة عبر الصيدليات خلال أول شهرين من العام الحالي، مقابل 42.7 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من العام السابق، بزيادة بلغت 17%.

 

وهكذا تكشف الأرقام أن الحكومة لا تواجه أزمة سعر فقط، بل تواجه أزمة حق في العلاج، لأن الاستهلاك المالي يرتفع بينما القدرة الشرائية تتراجع، والمريض لا يشتري رفاهية بل يشتري جرعة تمنع تدهور صحته أو دخوله إلى مستشفى أكثر كلفة.

 

في الخلاصة، تضع زيادة أسعار الدواء في مصر الحكومة أمام مسؤولية لا يمكن تمريرها بعبارات التوازن بين الصناعة والمريض، لأن حماية الصناعة لا تعني ترك المرضى يشترون العلاج بالقطعة، ولا تعني فتح الطريق أمام الدواء المجهول تحت ضغط الفقر.