لا تزال وزارة الأوقاف تبقي على سياسة الخطبة الموحدة منذ 26 يناير 2014، ووسعت نطاقها ليشمل مساجد الوزارة ومساجد الجمعيات والأهالي، ثم جعلت الالتزام بالموضوع والمدة جزءا من إدارة المنابر، فانتقلت خطبة الجمعة من مساحة دعوية محلية إلى رسالة مركزية تصدر من الوزارة وتصل إلى المصلين بصيغة واحدة أو شبه واحدة.

 

تكشف هذه السياسة سياقا سياسيا واضحا بدأ بعد صدام السلطة مع التيارات الإسلامية، إذ استخدمت الحكومة ملف الخطاب الديني لإحكام السيطرة على المساجد، ثم حولت المنبر إلى قناة ضبط اجتماعي وسياسي، بينما تراجعت قدرة الإمام على مخاطبة قضايا منطقته أو جمهوره خارج الحدود التي تحددها الوزارة.

 

من قرار تنظيمي إلى قيد مركزي على المنبر

 

بعد ذلك، دعمت الوزارة هذا المسار بتحذيرات متكررة للأئمة والخطباء، إذ شددت على الالتزام التام بموضوع الخطبة الموحدة والمدة المحددة للخطبتين، ولوحت بإجراءات رادعة وحاسمة ضد أي مخالفة، وهو ما جعل الخطبة مسألة انضباط إداري قبل أن تكون مساحة تواصل ديني مع الناس.

 

وبالتزامن مع ذلك، أيد القضاء الإداري في سبتمبر 2016 قرار توحيد الخطبة، واعتبر القرار ضرورة لمواجهة التطرف ومنع التحزب داخل المساجد، كما أقر تشكيل لجنة لإعداد الخطة السنوية لخطب الجمعة، فحصلت السياسة الحكومية على سند قانوني عزز قبضة الوزارة على المنبر.

 

وفي المقابل، حذر الكاتب والباحث عمار علي حسن من أن خطبة الجمعة تؤثر في تشكيل المعارف والاتجاهات الدينية، لكنه رأى أن الخطبة الموحدة تفتقد المصداقية عندما ينظر الناس إلى الخطيب باعتباره موظفا لدى الدولة، وهو توصيف يكشف كلفة تحويل الإمام إلى ناقل لتعليمات رسمية.

 

رسائل الدولة تتقدم على احتياجات المصلين

 

ثم ظهر أثر هذه المركزية في اختيار الموضوعات، إذ نشرت المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف خطبا تحمل عناوين مرتبطة بالعمل والاحتيال المالي وقضايا اجتماعية مباشرة، كما نشرت في 1 مايو 2026 خطبة بعنوان إتقان العمل واجب ديني وحضاري مع خطبة ثانية عن الاحتيال المالي ومشكلة المستريح.

 

لاحقا، عدلت الوزارة موضوع خطبة الجمعة في 3 أبريل 2026 لإدخال ترشيد استهلاك الكهرباء في الخطبة الثانية، بالتزامن مع خطة الدولة لترشيد الاستهلاك، فانتقل ملف اقتصادي وخدمي من بيانات الحكومة إلى منابر الجمعة، بينما ظل المواطن هو المخاطب الأول بتحمل كلفة الأزمة.

 

وفي هذا السياق، قال الباحث عمرو عزت إن المساجد ظلت ساحة معركة بين سلطة تحاول تأكيد تماشي سياساتها مع الإسلام وتيار إسلامي يحاول نزع المشروعية الدينية عنها، وهذا التوصيف يفسر لماذا تتعامل الحكومة مع المنبر باعتباره أداة شرعية سياسية لا مجرد مساحة وعظ.

 

كذلك، سجلت تغطيات مستقلة أن وزارة الأوقاف فرضت موضوعا موحدا على كل الخطباء في كل المساجد، وربطت ذلك بإدارة الوزارة للشعائر وحقها في الإشراف، وهو ما جعل وحدة الصف الوطني في الخطاب الرسمي مدخلا عمليا لتقليص التعدد داخل المجال الديني.

 

خطاب مكافحة التطرف يتحول إلى غطاء للرقابة

 

في مرحلة لاحقة، أصبحت مواجهة التطرف العنوان الأبرز الذي تبرر به الوزارة القيود، إذ قالت مصادر رسمية إن توحيد الخطبة يمنع التوظيف السياسي والحزبي والمذهبي والطائفي للمنبر، غير أن هذا التبرير منح الدولة مساحة واسعة لتحديد ما يقال وما لا يقال في كل مسجد.

 

وبينما اعتمدت الحكومة على خطاب مكافحة التشدد، أظهرت دراسة منشورة في كارنيغي أن وزارة الأوقاف اتجهت منذ مارس 2014 إلى وضع مساجد مصر تحت سيطرة الدولة، واشترطت أن يكون الأئمة من خريجي الأزهر أو حاصلين على ترخيص بعد امتحان، ثم ألزمت الخطباء بالخطبة الموحدة.

 

ومن جهة أخرى، قال الباحث جورج فهمي إن هناك منافسة على التحدث باسم الإسلام بين جماعة الإخوان والمؤسسات الدينية التابعة للدولة، وهي الأزهر والأوقاف، ويكشف هذا الرصد أن معركة المنابر لم تكن فقط ضد التطرف، بل كانت جزءا من صراع أوسع على الشرعية الدينية.

 

لذلك، أدى تحويل الخطبة إلى قالب واحد إلى تراجع خصوصية القرى والأحياء والزوايا، لأن مشكلة مسجد في الصعيد لا تشبه بالضرورة مشكلة مسجد في القاهرة أو الدلتا، كما أن قضايا الأسرة والتنمر والتكنولوجيا والشائعات تحتاج معالجة محلية لا تعميما أسبوعيا يمر فوق الفروق الاجتماعية.

 

وبمرور الوقت، خلقت السياسة نفسها فجوة بين الالتزام الرسمي والواقع، إذ تلتزم المساجد الكبرى داخل المدن بالنصوص والموضوعات بدرجة أعلى، بينما تحتفظ الزوايا والمناطق الريفية بمساحات مرونة متفاوتة، وهو ما يؤكد أن السيطرة المركزية لا تلغي الواقع المحلي لكنها تضغط عليه وتدفعه إلى التحايل.

 

في النهاية، لا تبدو الخطبة الموحدة مجرد إجراء تنظيمي يضبط مدة الكلام ويمنع الفوضى، بل تظهر كأداة حكم تستخدم الدين لتثبيت رسائل السلطة وتخفيف ضغط الأزمات عنها، وعندما يصبح المنبر مكلفا بتكرار خطاب الحكومة يفقد جزءا من ثقة الناس وقدرته على مخاطبة همومهم الحقيقية.