حذّر مسؤولون ومختصون في السودان من تصاعد نشاط شبكات تهريب الذهب بنسبة 70% خلال العام الماضي، وسط حرب مفتوحة وفوضى حدودية، ما دفع الحكومة إلى إعلان ترتيبات رقابية وتشريعية جديدة لملاحقة المهربين ووقف نزيف يقدر بنحو 8 مليارات دولار سنويا.

 

يكشف هذا النزيف أن أزمة الذهب في السودان ليست خللا فنيا في الصادرات، بل نتيجة مباشرة لضعف الدولة أمام شبكات الحرب والسوق الموازي، إذ ينتج المعدنون ثروة ضخمة بينما يفقد المواطن أثرها في الدواء والخبز والعملة الصعبة والخدمات العامة.

 

تهريب الذهب يفضح عجز الدولة عن حماية موردها الأول

 

بداية أقر رئيس الوزراء كامل إدريس بأن تهريب الذهب والمعادن والسلع يستنزف الاقتصاد السوداني ويحرم الخزينة العامة من عائدات حيوية بالعملة الصعبة، ثم تحدثت الحكومة عن إجراءات عملية تشمل تشريعات جديدة ورقابة أشد على المنافذ البرية والجوية لضبط شبكات التهريب.

 

ومن جانبه أكد مدير عام قوات الجمارك الفريق شرطة صلاح أحمد إبراهيم تزايد محاولات تهريب الذهب، وقال إن البلاد تمر بمنعطف يتطلب أعلى درجات اليقظة والاستعداد، وهو اعتراف رسمي يضع المؤسسة الجمركية أمام مسؤولية مباشرة بعد سنوات من تسرب المعدن النفيس عبر الحدود والمطارات.

 

في المقابل لا تكفي لغة اليقظة وحدها، لأن وزارة المعادن بدأت ترتيبات لتجهيز قوة مشتركة تتولى مكافحة تهريب الذهب على الحدود وتأمين أسواق التعدين، بينما ظلت شبكات التهريب تتحرك عبر مناطق هشّة أمنيا وتستفيد من تعدد السلطات ومن اقتصاد الحرب.

 

لذلك طالب رئيس شعبة مصدري الذهب عبد المنعم الصديق بتدخل رسمي عاجل لإنقاذ صادرات الذهب، واتهم فئة من تجار العملة وضعاف النفوس بالاستئثار بموارد البلاد، مؤكدا أن الذهب يمثل طوق نجاة للسودان في ظل الحرب والأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

 

وعند هذه النقطة تظهر الفجوة الأكثر خطورة، إذ يقول عبد المنعم الصديق إن إنتاج البلاد يتجاوز 70 طنا بقيمة تفوق 6 مليارات دولار، بينما لا تظهر تقارير البنك المركزي سوى ملياري دولار أو أقل، ما يعني ضياع ثلثي العائد خارج القنوات الرسمية.

 

التعدين التقليدي يفتح ثغرة واسعة أمام السوق الموازي

 

لاحقا تكشف أرقام الإنتاج أن الدولة لا تسيطر على المورد الذي تراهن عليه، إذ تشير البيانات الرسمية إلى إنتاج سنوي يبلغ 70 طنا، لكن وزير الطاقة الأسبق خيري عبد الرحمن يرى أن هذه الكمية لا تمثل سوى أقل من 7% من حجم الميزانية العامة.

 

بناء على ذلك يربط خيري عبد الرحمن ضعف أثر الذهب بطبيعة التعدين التقليدي، إذ تأتي 58 طنا من الإنتاج من قطاع غير منظم يصعب إخضاعه للرقابة، كما تعطلت مشاريع الدمج الرقمي بسبب نقص التمويل، فبقي المعدن خارج قبضة الدولة الفعلية.

 

كذلك يرى الخبير الاقتصادي شوقي عزمي محمود أن الإنتاج الفعلي قد يتجاوز 120 طنا سنويا بقيمة تقارب 9.8 مليارات دولار، أي ما يقارب ضعف الرقم الحكومي، وهو تقدير يجعل بيانات الدولة ناقصة أمام سوق يبتلع الفارق عبر التهريب والبيع غير الرسمي.

 

ومن زاوية السياسات المالية يقول شوقي عزمي إن اعتماد الحكومة على الرسوم بدلا من الإنتاج المباشر يخلق حوافز تدفع المعدنين إلى البيع خارج القنوات الرسمية، لأن المعدن يذهب حيث السعر الأعلى والإجراءات الأقل، بينما تتأخر الدولة في بناء سوق منظم وشفاف.

 

في السياق نفسه يؤكد الخبير الاقتصادي محمد الناير أن نحو 80% من الذهب السوداني ينتج عبر التعدين التقليدي، وأن ما بين 48% و60% من الإنتاج يتسرب عبر قنوات غير رسمية، بينما لم تصدر القنوات الرسمية في 2025 سوى 20 طنا من أصل 70 طنا.

 

مسارات الحدود والإمارات تكشف خريطة النزيف الإقليمي

 

بعد ذلك تفتح تقارير المؤسسات البحثية الدولية خريطة التهريب خارج السودان، إذ يخرج ذهب مناطق سيطرة القوات المسلحة من الولاية الشمالية ونهر النيل نحو مصر، وبدرجة أقل نحو إثيوبيا وإريتريا، بينما يتحرك ذهب دارفور وجنوب كردفان نحو تشاد وليبيا وجنوب السودان.

 

في المقابل برز جنوب السودان محطة عبور جديدة للذهب المهرب من السودان، إذ يدخل المعدن إلى أراضيه ثم ينقل جوا إلى الإمارات، بينما تحدث تقرير سويس إيد في نوفمبر 2025 عن فقدان جنوب السودان ما لا يقل عن 5 أطنان سنويا عبر أوغندا.

 

وتوضح بيانات التجارة أن الإمارات تستقبل 90% من الصادرات الرسمية للذهب السوداني، بينما أعلنت وزارة التجارة الإماراتية في نوفمبر 2024 أن وارداتها من السودان بلغت 1.97 مليار دولار، ضمن سوق ذهب ضخم مر عبر الدولة بقيمة 186 مليار دولار.

 

غير أن الرقم الرسمي للصادرات لا يعكس حجم الإنتاج، إذ أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية في 2025 إنتاج 70.15 طنا متجاوزة المستهدف الحكومي البالغ 62.02 طنا بنسبة 113%، لكن الصادرات الرسمية لم تتجاوز 12.5 طنا بقيمة 1.3 مليار دولار.

 

بذلك اختفت 57.65 طنا من الدورة الاقتصادية الرسمية، أي أكثر من 82% من الإنتاج المعلن، من دون احتساب الإنتاج غير الرسمي الذي ترجح تقديرات خبراء أنه يفوق الأرقام الحكومية، وهو ما يحول الذهب من مورد إنقاذ إلى دليل على انهيار الرقابة.

 

وأمام هذه الفجوة تصبح بورصة الذهب السودانية ضرورة لا شعارا، لأن إنشاء سوق رسمي يربط المنتجين والمصدرين والبنك المركزي بسعر عادل يمكن أن يقلص التهريب، لكن نجاحها يحتاج سلطة أمنية موحدة وقنوات شراء شفافة وإلغاء الحوافز التي تخدم السوق الموازي.

 

في النهاية لا يستطيع السودان وقف نزيف الذهب ببيانات حكومية فقط، لأن المعدن النفيس صار اختبارا لوجود الدولة نفسها، فإما أن تفرض الحكومة رقابة عادلة وسوقا رسمية ومحاسبة لمسارات التهريب، أو يبقى الذهب يخرج من المناجم إلى شبكات الحرب بينما يبقى المواطن بلا عائد.