في مشهد بات يتكرر على نحو لافت، تتزايد شكاوي المواطنين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر من تحوّل عدد من الشوارع في جميع المحافظات إلى ساحات مفتوحة لترويج وبيع المواد المخدرة، في وضح النهار، دون مظاهر واضحة للردع الأمني أو السيطرة.

 

ويصف البعض هذا الواقع بأنه “انتشار غير مسبوق” لتجارة المخدرات، حيث بات الوصول إلى تلك المواد أسهل من أي وقت مضى.

 

ويرى متابعون أن خطورة الظاهرة لا تكمن فقط في انتشارها، بل في تحولها إلى سلوك شبه اعتيادي داخل بعض الأحياء، حيث يتداول السكان قصصًا عن عودة بعض المتهمين في قضايا مخدرات إلى نفس مواقع نشاطهم بعد فترات قصيرة، ما يثير تساؤلات حول فاعلية آليات الردع والملاحقة.

 

انتشار مقلق وتأثيرات اجتماعية عميقة

 

وفي ظل أوضاع اقتصادية ضاغطة وارتفاع معدلات البطالة، يحذر خبراء من أن البيئة الحالية قد تسهم في تغذية هذه الظاهرة، سواء من حيث زيادة الإقبال على التعاطي أو الانخراط في التجارة غير المشروعة.

 

وتشير روايات متداولة إلى أن بعض أنواع المخدرات منخفضة التكلفة تنتشر بشكل واسع بين فئات الشباب، مخلفة آثارًا صحية ونفسية خطيرة.

 

وتتداول مقاطع مصورة توثق حالات انهيار صحي وسلوكي بين متعاطين، ما يعكس حجم الأزمة المتنامية، ويزيد من مخاوف الأهالي بشأن مستقبل جيل كامل يواجه خطر الإدمان في ظل غياب حلول جذرية واضحة.

 

 

جدل حول الأولويات الأمنية


في خضم هذا المشهد، يتصاعد جدل مجتمعي حول أولويات الأجهزة الأمنية، حيث يرى منتقدون أن التركيز على ملفات معينة في محور الأمن السياسي مثل مكافحة الإرهاب، يأتي على حساب قضايا تتعلق بالأمن الإجتماعي وتمس الحياة اليومية للمواطنين، وعلى رأسها انتشار المخدرات.

 

وفي هذا السياق، كتب الروائي والكاتب عمار علي حسن عبر حسابه على منصة “إكس” تعليقًا أثار تفاعلًا واسعًا، قال فيه إن "انتشار المخدرات بين الشباب، ومنهم صبية صغار، بات مفزعا. هل تعتقد السلطة أن الخطر لا يأتي سوى من إرهاب، تم إخماده؟ سبق أن برهنت على أن الفساد أخطر من الإرهاب. أما المخدرات، بهذه النوعية المصنعة، التي تدمر كل شيء في متعاطيها، جسده وعقله ومشاعره، فهي أخطر من الإثنين. لابد من وقفة، قبل فوات الأوان".

 

 

ويعكس هذا الطرح اتجاهًا متناميًا في الرأي العام، يطالب بإعادة النظر في سياسات المواجهة، وتوجيه جهود أكبر نحو مكافحة الظواهر التي تمس المجتمع بشكل مباشر، وفي مقدمتها تجارة وتعاطي المخدرات.

 

أبعاد قانونية تزيد المشهد تعقيدًا


على الجانب القانوني، أثار حكم صادر عن المحكمة الدستورية العليا جدلًا واسعًا، بعد أن قيد صلاحيات الجهات التنفيذية في تعديل جداول المواد المخدرة، مؤكدًا أن ذلك يدخل ضمن اختصاص السلطة التشريعية.

 

ويرى قانونيون أن لهذا الحكم أبعادًا مهمة، إذ قد يفتح الباب أمام إعادة النظر في بعض القضايا التي استندت إلى قرارات إدارية في تصنيف المواد المخدرة، ما يطرح تساؤلات حول تأثير ذلك على جهود مكافحة هذه التجارة.

 

في المقابل، يشدد خبراء قانونيون على أن الحكم لا يعني إسقاط الأحكام الجنائية بشكل تلقائي، وإنما يتطلب شروطًا دقيقة لإعادة النظر، مع ضرورة الحفاظ على توازن دقيق بين احترام الدستور وعدم تقويض منظومة العدالة.

 

حوادث تعكس الاحتقان المجتمعي

 

وتكشف بعض الوقائع عن حجم الغضب الشعبي تجاه تفشي الظاهرة، كما حدث في منطقة “أبيس” بالإسكندرية، حيث أقدم أهالي على إحراق منازل يشتبه في استخدامها لتجارة المخدرات، عقب حادث مقتل شاب بهدف السرقة لشراء مواد مخدرة.

 

ويعكس هذا الحادث، حالة من الاحتقان وفقدان الثقة في قدرة الجهات المعنية على التعامل مع الظاهرة، ما يدفع بعض المواطنين إلى اتخاذ ردود فعل فردية قد تزيد الوضع تعقيدًا.